

الإصابة بالسيدا في المؤسسات العقابية.
أ :فتيحة كركوش
جامعة سعد دحلب-البليدة
ملخص
تبدو الإحصائيات الحديثة الخاصة بمرض السيدا مخيفة، إذ أن انتشارها – بطرق مختلفة– مسّ جميع الفئات باختلاف أعمارها وجنسها وانتماءاتها الجغرافية. وتزداد خطورة السيدا في المناطق الإفريقية أين ينتشر الجهل والآفات الجنسية والاجتماعية المُساهمة في تدهور المستوى المعيشي.
وتعد الجماعات الهشة كمدمني المخدرات ومرضى الهيموفيليا والجنسين المثلين معرضة بشكل أكبر للإصابة بمرض السيدا خاصة منهم الموجودين على مستوى المؤسسات العقابية(الوسط المغلق).
وكما هو معلوم ،فان مثل هذه الممارسات تعد من بين العوامل التي تجعل من الإصابة بالسيدا أرضية خصبة لانتشارها وتفاقمها.
وبحكم أن الباحثة كانت أخصائية نفسانية بمؤسسة عقابية، تحاول أن تقدم دراسة تحليلية تتعرض من خلالها إلى:
أ.مدى انتشار مرض السيدا على المستوى العالمي.
ب.انتشار مرض السيدا في الوسط المغلق(المؤسسات العقابية).
ج.تقديم استراتيجيات وقائية للتقليل من الإصابة بمرض السيدا.
مـقـدمة:
تمثل الإصابة بالسيدا مشكلة خطيرة ومصدر بالغ الأهمية ليس فقط بالنسبة للمساجين والعاملين في قطاع المؤسسات العقابية ؛إنما بالنسبة للمجتمع ككل على اعتبار أنه في بعض السجون كان انتشار الإصابة بالسيدا بين المساجين يفوق انتشاره مقارنة بالمجتمع العام.
وبالرغم من التطورات والاكتشافات الحديثة حول الفيروس المُسبب للسيدا إلا أن الغموض لا يزال يحيط بهذا المرض،حيث لم يتوصل المختصون بعد إلى اكتشاف العلاج الفعال أو التطعيم الواقي،لذا فان حدة الإمراض ومعدل الوفيات بلغا شدة وارتفاعا كبيرين؛وهو الأمر الذي أكدته مختلف الإحصائيات بحيث أشار لوناس (
Lounes,2004,p4) أنه تسجل كل يوم 000 16 حالة عدوى لداء السيدا،وقدرّت 20 مليون حالة وفاة جراء الإصابة بالسيدا منذ ظهور أول حالة وذلك سنة1981.ولا يؤثر مرض السيدا على عضوية المصاب فحسب ؛بل أن تأثيره يمتد إلى الجانب النفسي من خلال ظهور اضطرابات كثيرة منها فقدان الأمل والشعور بالذنب واضطرابات القلق والتكيف والاكتئاب ،كما أن خبر إعلان الإصابة بالسيدا في حد ذاته يمثل "صدمة" عنيفة وأليمة بالنسبة للمصاب لأن ذلك مشحون بخطر جديد يتمثل في فكرة الموت ؛الأمر الذي يجعل المريض يعيد بناء حياته وفق مدة العيش المتبقية له ، كما أن مفهوم الموت مرتبط لدى الكثيرين من المصابين بالسيدا بانفعالات عنيفة واتجاهات سلبية تتجمع معا مُكونّة ما نسميه بـ"قلق الموت" أو الخوف منه (Traumatisme da la mort annoncée).
وتزداد تلك المخاوف حدة بالنسبة للمصابين بالسيدا المسجونين لأنهم يواجهون أخطارا مزدوجة:المعاناة من مرض خطير والحرمان من الحرية.ومن ثمة ،فان موضوع الإصابة بالسيدا في المؤسسات العقابية يحمل الكثير من الأهمية بحيث يكشف عن مرض لا تزال الأبحاث الطبية قائمة قصد مواجهته إضافة إلى وجود هذا المرض في وسط مغلق نادرا ما تناولته الدراسات العلمية بالبحث والتنقيب.
وعلى هذا الأساس، فان المعاناة الجسدية والنفسية تجعل الإصابة بالسيدا مصدر شعور بالضغط الحاد لدى المصابين به مما يخلق لديهم وضعية ضاغطة تتطلب الاستجابة لها.
ولتجسيد هذا الطرح،فانه تم اقتراح خطة عمل تبدأ من تحديد المفاهيم الأساسية للدراسة (المؤسسة العقابية،الإصابة بالسيدا وأسلوب العيش) وعرض واقع الإصابة بالسيدا في العالم ثم في المؤسسات العقابية وتوضيح خصوصية الوسط العقابي ،وتَم التعرض باختصار للوسط العقابي في الجزائر،واختتمت الدراسة ببعض الاقتراحات التي تتماشى وخصوصية الموضوع.
1.تحديد المفاهيم الأساسية:
قبل البدء في عرض تحليل جوانب هذه المقالة، أوجب تحديد بعض المفاهيم الأساسية الواردة فيها قصد توضيحها وضبطها بشكل أفضل، وتُعرض على النحو التالي:
1.1. المؤسسات العقابية:
السجن في اللغة معناه الحبس،والحبس معناه المنع،ومعناه الشرعي تعريف الشخص ومنعه من التّصرف بنفسه والسّجن مفهوم قديم وردت الإشارة إليه في القرآن الكريم في قصة يوسف عليه السلام بقوله تعالى:"قال رب السجن أحبّ إلي مما يدعونني إليه وألا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين"(الآية 33، سورة يوسف).
ويحدثنا القرآن الكريم في الآية 29 من سورة الشعراء عن السجون في مصر في عهد فرعون وكيف أنه اتخذها كوسيلة عقاب ضد خصومه ،حيث هدد موسى عليه السلام بالسجن"قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين"(أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية،1999،ص 174).
وبالنظر للمراحل التاريخية لهذه المؤسسات نجد أنها قديمة قدم العقوبة ولكنها تميزت بمواصفات خاصة، إذ استعملت على اعتبارها معتقلات أو محتشدات أو أماكن للتعذيب، وكانت لا تخضع لأي تنظيم عقابي ومُعدّة لكل أنواع الانحرافات وتسليط العقوبات القاسية غير الإنسانية.ومع تطور العلوم ، تطورت أيضا هذه المؤسسات خاصة مع ظهور بعض الأنظمة العقابية التي عملت على احترام إنسانية المسجون وتنظيم إجراءات الحبس.
ولهذه الأماكن عدة تسميات ،فهناك مَن يسميها السّجون وهناك مَن يسميها مراكز التأديب وهناك مَن يسميها دور الإصلاح والتهذيب والتقويم وهناك مَن يسميها مؤسسات إعادة التربية.
وتُعّرف المؤسسات العقابية كذلك بناءا على وظيفتها بحيث أن أهم الجزاءات الجنائية التي تُطبق على المحكوم عليه، الغرض منها إصلاحه وتأهيله ويتم تنفيذها داخل مؤسسات عقابية وهي تلك الأماكن المُعدة لاستقبال المحكوم عليهم بعقوبات مقيدة للحرية.
والسجن بمفهومه الحديث هو مؤسسة اجتماعية لها أهداف ووظائف محددة ،ولا يمكن اعتباره بحال من الأحوال مكانا لعزل المجرمين عن بقية المجتمع ولا مكانا لتنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم فقط؛بل يجب النظر إليه كمؤسسة إصلاحية تعمل على حماية المجتمع وحماية السجين من العَود إلى الجريمة من خلال توفير ظروف ملائمة داخل السجن وخارجه والعمل قدر المستطاع على أنسنة الوسط العقابي.
2.1.الإصابة بالسيدا:
لمرض السيدا عدة مرادفات،إذ ورد عن جعفر حسان وجعفر غسان(1998،ص273) أنه "نقص المناعة البشرية المكتسبة" ،"متلازمة العوز المناعي المكتسب"،"تناذر أو متلازمة نقص المناعة المكتسبة".وبالفرنسية هو مختصر
"Syndrome de l’immunité déficitaire acquise" واختصاره بالانجليزية"Acquired Immuno- deficsiency syndrome".ويضيف فتحي دردار(2000،ص09 ) أن السيدا مرض فيروسي يؤدي إلى فقدان المناعة بحيث تنهار الوسائل الدفاعية الطبيعية في الجسم يتسبب فيه فيروس(HIV) المسبب للنقص المناعي،وخاصة في عدد الخلايا اللمفاوية التائية(T) أو الخلايا البالعة وحيدة النواة،محدثا شللا في عملها المتمثل في مقاومة العناصر المسببة للأمراض،وبالتالي يصبح المصاب بهذا المرض عرضة للإصابة بجميع أنواع الفيروسات والبكتيريا والطفيليات.
إضافة إلى الشخص المصاب بالسيدا،فانه يوجد الشخص الحامل للفيروس أو ما يسمى الايجابي المصل(Séropositif) فهو ليس بمريض ،وقد يمكن أن يبقى على هذه الحالة لمدة طويلة.
وبالإمكان إظهار ذلك من خلال مراحل تطور السيدا كما قدمها فتحي دردار(2000،ص ص32-33):
أ. مرحلة الأعراض المتسترة(Séropositif):لا تظهر في هذه المرحلة الأولى أعراض السيدا بوضوح؛إنما تظهر بعض الأعراض الخفيفة(ارتفاع بسيط في درجة الحرارة،ألم في العضلات وأوجاع خفيفة في الرأس) وهي أعراض مشابهة لتلك التي تظهر في داء الزكام والأنفلونزا.إلا أنه طوال هذه الفترة يظل المصاب ناقلا لخطر داء السيدا دون أن يدري(فترة حضانة الجسم للفيروس).
ب. مرحلة بداية السيدا(Para Sida):وهي مرحلة التغيرات في جهاز المناعة وبدء ظهور الأعراض المتعلقة بالسيدا مثل صعوبة الحركة ،فقدان الشهية للطعام ،الإصابة بالإسهال ،ظهور على الجلد طفح وتقرحات...
ج. مرحلة الأعراض السريرية الواضحة بالسيدا (Cas de Sida):وهي مرحلة الالتهابات الانتهازية يكون المريض قد وصل إلى مرحلة الخطر الأخير ،وتتميز بالانهيار الكامل لجهاز المناعة المكتسبة.
وفي هذا السياق، حددنا في هذه المداخلة مفهوم الإصابة بالسيدا اعتبارا على وجود هذه المراحل،بمعنى أن يكون المسجون مصابا فعلا بالسيدا أو أن يكون ايجابي المصل.
1.3.أسلوب العيش:
يعتبر التعّرف على نوعية حياة الأشخاص المصابون بالسيدا من بين أهداف العديد من البحوث التي أقيمت في العشرية الماضية،وقد تضمنت معظمها عنصرا مهما وهو التوتر الانفعالي الذي يعاني منه المصابون بهذا المرض،غير أن طرق التقييم المحددة والعلاج الفعال للتوتر التي تُحسّن نوعية حياة هؤلاء ونمط معيشتهم لم تؤخذ بعين الاعتبار في علاج السيدا.
وقد أظهرت الدراسات السابقة حسب ما أشار إليه فارتينغ وآخرون(Fertintig & al,1987 ) أن حوالي 1/3 من كل المصابين بالسيدا يعانون من درجات توتر انفعالي ذي دلالة إكلينيكية،ويعتبر التوتر الانفعالي في معظم الأحيان خاصية كافية وحادة في التشخيصات السيكاترية.
ويؤثر التوتر الانفعالي الذي يعاني منه المصابون بالسيدا بطريقة سلبية على تطور المرض وسيره وعلى نوعية حياتهم وحياة المحيطين بهم ،حيث تزيد الدرجة المرتفعة من التوتر الانفعالي من نسبة الوفيات مُسببة قلقا وخوفا من الموت ؛مما يؤدي إلى الانتحار.كما وُجد أن هذا التوتر يؤدي إلى تغيّر في المزاج الذي يصبح سلبيا ،ويرتبط هذا التغيّر بوظيفة الجهاز المناعي الأمر الذي يؤدي إلى تخفيض أو تقليل من الاستجابة المناعية فينتج عنه تطور سريع للمرض.
وحسب دراسة كلاسكو وآخرون(Glasgow & al,1997) ،فانه توجد نقطتان أساسيتان للتوتر لدى المصابين بالسيدا التي يمكن أن تكون موجودة وتؤثر على نوعية حياتهم أو على مظاهر العلاج،وهي:
أ.التوتر عند التشخيص:يمكن أن يؤثر على قدرة الفرد للاستماع لإمكانيات العلاج وفعاليته ومختلف النصائح والقرارات المتخذة.
ب.التوتر عند العلاج:وهذا النوع من التوتر قد يسبق العلاج أو يكون نتيجة عنه ،حيث يرتبط بحدته كالعلاج الثلاثي وغيرها من الأدوية التي يمكن أن تزيد من حدة التوتر؛وهو ما يؤثر أيضا على النّصائح المحددة خلال المراقبة والمتابعة.
2.السياق التحليلي:
من المفيد ،قبل التطرق إلى انتشار مرض السيدا في الوسط العقابي،أن نقدم "بانوراما" مختصرة لرصد واقع السيدا في العالم بسبب خطورته وانتشاره المذهل الذي صار يهدد أمن البشرية وصحتها بشكل رهيب.
1.2.واقع السيدا في العالم:
منذ ظهور السيدا في العالم ،وُجدت الكثير من النظريات التي كانت تنكر مدى خطورته وإمكانية انتشاره في بقية العالم.وتبيّن مع مرور الزمن مدى خطأ هذه النظريات ،فعلى الرغم من أن الوباء مازال حتى الآن في مراحله المبكرة إلا أنه بات واضحا أنه يمثل خطرا على كل دول الكرة الأرضية بدون استثناء.
ويشير سعيد الصايغ(1988،ص40) إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر أول بلد عرفت انتشارا كبيرا للسيدا،فاكتشفت فيها الحالات الخمس الأولى المصابة به وذلك سنة.
ولكن سرعان ما انتشر المرض في مختلف أنحاء العالم،بحيث يضيف أدلر (Adler, 1996, p53) أنه في سنة 1989 سجلت أكثر من 000 130 حالة عدوى في كل أنحاء العالم؛ منها000 20 حالة في إفريقيا.أما سنة 1992، فقدّرت الإصابات بـ611 589 حالة في العالم؛ منها095 238 حالة في قارة إفريقيا.
ولتدعيم هذه المعطيات ،فانه حسب نورتي (Nortier,1997,p53) تعتبر فرنسا الدولة التي حطمت الرقم القياسي الأوروبي سنة 1996 لعدد حالات السيدا،وذلك بـ000 200 حالة ؛منهم 000 35 توفوا.
كما قدرت المنظمة العالمية للصحة في سنة 1999 أنه في أواخر سنة 1998، بلغ عدد المصابين بفيروس VIH نحو 33.4 مليون في العالم. وكانت نسبة الرجال الذين توفوا من جراء إصابتهم بالسيدا في السنوات الماضية أكثر من النساء المصابات ؛ وتعد إفريقيا الجنوبية الصحراوية حاليا "مأوى" لـ2/3 من الأشخاص المصابين في العالم بالسيدا والمصل الايجابي، لدرجة شُبهت فيها خطورة هذا المرض بخطورة الكوارث أو الحروب(Jeune Afrique ,1999 ,p15).
ويجب أن نؤكد أن حاملي السيدا غير المسجلين يمثلون أخطارا متنقلة تهدد الصحة العمومية.
ولم تتوقف هذه الأرقام عن الارتفاع عبر دول العالم، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال الجدول(01) الذي يبيّن تزايد عدد حاملي فيروس السيدا من سنة 1994 إلى غاية2000 وذلك في مختلف الدول:
جدول(01):يمثل عدد حاملي فيروس السيدا في دول العالم من 1994 إلى 2000.
(الوحدة:مليون شخص).
|
الســـنة المنطقة |
1994 |
1995 |
1998 |
1999 |
2000 |
|
إفريقيا الجنوبية |
10 |
11 |
22.5 |
24.5 |
25.3 |
|
جنوب وجنوب شرق آسيا |
2.5 |
3.5 |
6.7 |
5.6 |
5.8 |
|
أمريكا الجنوبية وجزر الكراييب |
2 |
2 |
1.83 |
1.3 |
1.79 |
|
أمريكا الشمالية |
1 |
1.1 |
0.89 |
0.9 |
1.79 |
|
أوروبا الغربية |
0.5 |
0.6 |
0.5 |
0.52 |
0.54 |
|
أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى |
0.05 |
0.05 |
0.27 |
0.42 |
0.7 |
|
آسيا الشرقية وجزر المحيط الهادي |
0.05 |
0.05 |
0.56 |
0.53 |
0.64 |
|
استراليا ونيوزيلاندا |
0.25 |
0.25 |
0.012 |
0.015 |
0.015 |
|
إفريقيا الشمالية والشرق الأوسط |
0.1 |
0.15 |
0.21 |
0.22 |
0.40 |
|
المجموع |
16.4 |
19.5 |
33.4 |
34.4 |
36.1 |
وتوزّع عدد الأشخاص المصابين بالسيدا في العالم في سنة 2006 كالتالي:
أ- المجموع:39.5 مليون(34.1 – 47.1 مليون)،
- الراشدون :37.2 مليون(32.1 44.5 مليون)،
- النساء:17.7 مليون(15.1 20.9 مليون)،
- أطفال، أقل من 15 سنة :3.2 مليون(1.7 – 3.5 مليون).
وقدّر عدد الحالات الجديدة للإصابة بالسيدا في العالم حسب التوزيع التالي:
ب- المجموع:4.3 مليون(3.6 6.6 مليون)،
- الراشدون:3.8 مليون (3.2 – 5.7 مليون)،
- الأطفال، أقل من 15 سنة: 000 530 (000 410 – 000 660).
وتوفي من جراء هذا الداء الأعداد التالية:
ج- المجموع : 2.9 مليون(2.5 – 3.5 مليون)،
- الراشدون:2.6 مليون(2.2 – 3.0 مليون)،
- أطفال، أقل من 15 سنة: 000 380 (000 290 – 000 500).**
وشهد عام 2006 تسجيل 67 ألف حالة إصابة جديدة بمرض السيدا في الدول العربية ،أي ما يعادل ثلاثة أضعاف المعدلات المسجلة خلال الفترة نفسها في أوروبا الغربية أين رصدت 22 ألف حالة،ولا تمثل هذه الأرقام المعلن عنها في الوطن العربي سوى 5 % فقط من الواقع الحقيقي للمرض ،وذلك لكون 95 % من الأشخاص الحاملين للفيروس يجهلون إصابتهم به بسبب القصور في إجراء التحاليل(جريدة الخبر اليومية،2007).
ولا يختلف الوضع في الجزائر بخصوص انتشار السيدا بحيث يشير بوعجار (Bouadjar,1995,p3) إلى أنه تم تشخيص أول حالة للسيدا بالجزائر في نوفمبر 1985 بمستشفى مصطفى باشا الجامعي بمصلحة الأمراض الجلدية،وكانت لمهاجر جزائري مدمن عن طريق الحقن الوريدي.
وبالإمكان ملاحظة تزايد عدد حاملي فيروس السيدا وحالاته في الجزائر من سنة 1985 إلى 30 سبتمبر 2000 من خلال الجدول(03):
جدول(03):يمثل عدد حاملي فيروس السيدا والمصابين في الجزائر من سنة 1985 إلى 2000.
|
السيدا السنة |
عدد حاملي الفيروس |
عدد حالات السيدا |
|||||
|
1985-1986 |
12 |
04 |
|||||
|
1987-1988 |
81 |
19 |
|||||
|
1989-1990 |
125 |
24 |
|||||
|
1991-1992 |
114 |
64 |
|||||
|
1993-1994 |
144 |
86 |
|||||
|
1995-1996 |
163 |
78 |
|||||
|
1997-1998 |
175 |
93 |
|||||
|
1999-2000 |
153 |
80 |
|||||
|
المجموع |
967 |
468 |
|||||
|
طرق انتقال العدوى |
ذكور |
إناث |
غير محدد |
المجموع |
%
|
||
|
جنسية مثلية |
178 |
109 |
02 |
289 |
45.51 |
||
|
جنسية ثنائية ومثلية |
29 |
00 |
00 |
29 |
04.57 |
||
|
إدمان على المخدرات |
89 |
05 |
00 |
94 |
14.80 |
||
|
عن طريق الدم |
27 |
20 |
01 |
48 |
07.56 |
||
|
أم/طفل |
06 |
06 |
00 |
13 |
02.05 |
||
|
طرق أخرى |
01 |
03 |
00 |
02 |
00.31 |
||
|
مجهولة |
112 |
44 |
03 |
160 |
25.20 |
||
|
مج |
442 |
187 |
06 |
635 |
|
||
ويوضّح الجدول(04) طرق انتقال الإصابة بالمرض في الجزائر وذلك بتاريخ 30 سبتمبر 2004 حسب الدليل الوطني(Guide National ,2006 ,p17):
جدول(04):طرق انتقال العدول بالإصابة بمرض السيدا في الجزائر30/09/2004.
وقد أحصت الجزائر في نهاية ديسمبر 2004 مجموع 1657 حالة مصل ايجابي و635 حالة إصابة بالسيدا،وارتفع عدد الحالات منذ ذلك التاريخ رغم نسبة الانتشار الضئيلة المسجلة في الجزائر والمقدرّة بـ0.1 % حسب منظمة الصحة العالمية ومنظمة مكافحة السيدا العالمية
.وحسب فعاليات الملتقى الوطني (2006) حول"استراتيجيات إثبات الأجسام المضادة ضد فيروس فقدان المناعة المكتسبة" الذي احتضنه ملحق باستور ،فقد بلغ عدد المصابين بفيروس السيدا في الجزائر إلى غاية 31 مارس 2006 ما لا يقل عن 776 حالة ،فيما وصل عدد حاملي الفيروس خلال نفس المدة إلى 2330 حالة.
مع العلم أن هذه الأرقام المستمدة من المصادر الرسمية العالمية والوطنية لا تتضمن كل حالات الإصابة بالسيدا ،لأنه توجد حالات أخرى تفلت من عملية الإحصاء الرسمي والتي تمثل مظهرا أخرا من مظاهر الخطورة المتنقلة لهذا المرض.
2. 2. واقع السيدا في المؤسسات العقابية:
قبل أن نستهل عرض واقع وجود السيدا في المؤسسات العقابية والعوامل المساعدة على انتشاره،أوجب البدء بتحديد نوعية الحياة السائدة في هذا الوسط وإبراز خصائصه وما يتسم به من مميزات لا نجدها في الأوساط الأخرى.
1.2.2.أساليب العيش وخصوصية الوسط العقابي:
يعتبر أسلوب الحياة أو نمط الحياة مفهوما نوعيا يُعبّر عن الطريقة المعيشية التي يتبناها الفرد أو الجماعة والتي تظهر من خلال السلوكات اليومية ،حيث يشمل أنماط العلاقات الاجتماعية التي يُقيّمها الفرد مع الآخرين ،كما يعكس مجموع القيم التي يؤمن بها واتجاهاته وطريقة رؤيته للعالم الذي يعيش فيه.
ويؤكد بروشو-شويتزر (Schweitzer,2002,p43 Bruchon-) أن مفهوم أسلوب العيش(أو نمط الحياة) قد ظهر لأول مرة في بعض النصوص في أواخر الخمسينات وتحديدا فيAnnales de Médecine Interne سنة 1966،ثم أخذ هذا المفهوم في التوسع والاستعمال وارتبط بمفهوم الصحة والسعادة والرضا ،ويعد مفهوما صعب التحديد لكونه كان محور اهتمام الكثير من العلوم مثل الفلسفة،علم الاجتماع،علم النفس،الاقتصاد والسياسة والطب.
ويُظهر الشكل(01) مجموع المؤشرات التي تصف نوعية الحياة الجيدة وذلك على مستويات مختلفة؛ الأمر الذي يدل على تفاعل تلك المؤشرات وتنوع المداخل النظرية للمفهوم:
شكل(01):يمثل مختلف مؤشرات نوعية الحياة حسب نوردنفالت(Nordenfelt,1994,p259).
وفي هذا السياق،يجب أن نؤكد أن للوسط العقابي خصوصياته التي يتميز بها عن غيره بحكم انغلاقه عن العالم الخارجي وما تطبعه من قوانين داخلية يخضع لها المساجين،ومعنى ذلك أنه يوجد معاشا نفسيا واجتماعيا مميزا وخاصا دون إغفال أن أسلوب العيش له تأثير مباشر على كل مستويات نوعية حياتنا وعلاقاتنا مع المحيطين بنا والوسط الذي نعيش فيه،حيث قد يؤدي أسلوب العيش الذي يتبناه المسجون (المفروض عليه من خلال النظام الداخلي) إلى توليد بعض المشاكل ذات الأثر التراكمي المشحون بالضغوطات وذلك بسبب وضعيات الوسط المغلق وطبيعة العلاقات التي تفرز بدورها مشكلات تكيفية.
وقد أكدت دراسة لونغ فلدر وآخرون(Lengfelder &al,1992) أن المساجين يعايشون أنماطا جديدة من الفشل بسبب فقدانهم للحرية وتغير معنى الواقع المعاش بالنسبة إليهم ؛الأمر الذي يؤثر سلبا على تقديرهم لذواتهم ويولد لديهم صعوبات على مستوى تكيفهم في الوسط العقابي.
كما أنه من بين أبرز خصوصيات الوسط العقابي أن المسجون يكون "مقطوعا عن الزمن الاجتماعي" وذلك على حساب معايشته " للزمن العقابي" ،بحيث يكون العالم الخارجي في تغير مستمر وأحداث كثيرة "يغيب" عنها المسجون ليجد نفسه في "الزمن الحاضر" بدون أن يستطيع استثمار المستقبل ؛وهذا ما يمثل حسب بوشي(Pauchet,1984,p151) أسلوب العيش الذي يتبناه المساجين في الوسط العقابي أين التغيرات التي تطبع حياتهم تحدث بصفة مفاجئة غير منتظرة.لذلك،يعيش المسجون "الزمن العقابي" بطريقة يخضع من خلالها لريتم وعادات الجماعة ؛فيعيش "الزمن الجماعي"(Temps Collectif) على حساب "الزمن الشخصي" المتعِب خاصة بعد إقفال أبواب السجن ليلا حيث يواجه المسجون نفسه.
وتضيف دراسة ليهي(Leahy,1997) مفهومي " ثقافة السجن" و"عملية التسّجن" (Prisonnarisation) بحيث اعتبرت السجن وسطا جديدا يحمل ثقافة ومعاشا مغايرا عن الأوساط الأخرى لأن المسجون ملزم بأن يدمج المعايير العقابية، كما لاحظت أن المسجون يعاني بشكل ملحوظ من فقر نظام الدعم الخارجي ؛وهو الأمر الذي يجعل المساجين يشكلّون فيما بينهم "تحالفا" ضد الإدارة.
وبالرغم من أن الوسط العقابي ما يزال بكرا وخصبا مُؤهَلا لإجراء الأبحاث والقيام بدراسات معمقة،إلا أن ما أنجز من تحقيقات وسبر للآراء أكد مدى معاناة المساجين من ضغوطات الوسط المغلق ومن الانفعالات السلبية التي يمكن قولبتها في مفهوم " قلق السجن" الذي يطبع هذا الوسط دون غيره.
2.2.2.عوامل انتشار الإصابة بالسيدا في الوسط العقابي:
يعيش الشخص المسجون كابوسا مزدوجا(Double Drame) يكمن في تجريده من حريته بسبب ما ارتكبَه من مخالفات وجنايات من جهة،وفي خطورة المرض الذي يضعه عرضة لموت مبرمج من جهة أخرى،كما تعد ظروف الحبس(التي هي سيئة) عوامل مناسبة لتطور الأمراض المرتبطة بالفيروسات ،بالإضافة إلى الوسط المغلق الذي يعتبر إطارا مشجعا لانتشار مختلف الأمراض مهما كانت طبيعتها.
وقد وُجدت في أعداد معتبرة من سجون العالم نسبا مرتفعة جدا من الإصابة بفيروس فقدان المناعة المسبب للإصابة بالسيدا وذلك رغم وجود أمراض أخرى مثل السل ،الزهري وأنواع أخرى من الأمراض ،بحيث قدرت مصلحة دار الإصلاح بكندا(2000) حسب الشبكة القانونية الكندية (Réseau Juridique Canadien,1999) أنه يوجد اثنان من بين 100 مسجون هم من ذوي المصل الايجابي مع زيادة معتبرة للإصابة في السنوات الأخيرة.
وجاء عن هيئة الأمم المتحدة لمكافحة السيدا (ONUSIDA,1997) في التحقيق الذي أجريَ بسجون فرنسا ما بين 1994-1995 أظهر أن 12.70%من المساجين كانوا حاملي المصل الايجابي(
Séropositifs)،وقدرت في الأرجنتين نسبة ذلك من 11.30% إلى 14 % في سنة 1995،وتم إحصاء 05.20 حالة سيدا من بين 1000 مسجون في الولايات المتحدة الأمريكية.كما قد توصلت التحقيقات والدراسات التي أقيمت في المؤسسات العقابية-رغم قلتها- إلى أنه توجد عوامل كثيرة تجعل من هذه المؤسسات ميدانا مثاليا لانتقال فيروس (VIH) ما بين مجتمع المحبوسين، بحيث يعد اكتظاظ السجون من بين أكثر العوامل المساعدة على ذلك خاصة وأنه في حالات كثيرة توجد بقاعات السجن أعدادا معتبرة من المساجين تفوق قدرة استيعاب تلك القاعات.
كما وُجد أن تعاطي المخدرات يعد أكثر المخالفات المرتكبة من طرف المساجين الذين يواصلون تعاطيهم لها حتى في السجون بالرغم من أنها ممنوعة ،حيث أظهر سبر الآراء الذي أنجزته دار الإصلاح بكندا في سنة 1995 أن 40 % من مجموع 4285 مسجون مستجوب صرّحوا بتعاطيهم للمخدرات في السجن ،إلا أن الاستعمالات المشتركة (مابين 15 إلى 20 مسجون) وغير المعقمة للإبر تعد سببا في تزايد عدد جديد من الإصابة بالفيروس في سجون العالم،بحيث ينتقل فيروس السيدا عن طريق الإبر والحقن الملوثة به من الشخص المصاب إلى الشخص السليم.
وفي هذا السياق، يجب أن نفهم حقيقة مُهمة بالنسبة للمساجين وهي أن الاستعمال المشترك للإبر له دلالاته ومعانيه التي تترجم انتماء المسجون لجماعة المساجين الآخرين (Signe d’appartenance)، وبالتالي فانه ينال بفضل هذا السلوك تقدير زملاءه واحترامهم له.
ومن جهة أخرى،تفيد الشبكة القانونية الكندية (Réseau Juridique Canadien,1999) أنه عملت دار الإصلاح بكندا (1999) على الوقاية من هذه المشكلة وذلك بواسطة توزيع ماء الجافيل قصد تطهير الإبر المستعملة جماعيا إلا أن المساجين لم يستعملونه خوفا من اكتشاف أمرهم بأنهم يتعاطون المخدرات.
وقد أقيم تحقيق في ألمانيا في سجن النساء أظهر أن أكثر من ثلث النزيلات المستجوبات تتعاطى المخدرات وكثيرات منهن لم تتوقفن عن هذه الممارسة في السجن، وأنه وُجد من بين النساء المدمنات نسبة 04.90 % كن مصابات بفيروس
VIH.وتوصل التحقيق الذي أنجز بالبرتغال ما بين 1994-1996 إلى وجود 1442 مسجونة تتعاطى المخدرات، وهو ما يمثل نسبة63
% مدمنة أوجب التكفل بهن.وتعد العلاقات الجنسية غير المحمية ما بين الرجال المساجين العامل الثاني من حيث نقله للإصابة بفيروس
VIH، حيث كشف التحقيق الذي أجري في سنة 1993 بالبرازيل أن 73% من هؤلاء المساجين كانت لهم اتصالات جنسية مع رجال آخرين في السجن.وحسب الشبكة القانونية الكندية (Réseau Juridique Canadien,1999) توصلت الدراسة التي أنجزت باستراليا سنة 1994 أن 08
% من المساجين صرّحوا بممارستهم لعلاقات جنسية شرجية (Anales) أو فمية تناسلية(Bucco-génitales) في السجن،وقد وُجدت هذه الممارسات في الكثير من السجون العالم خاصة منها سجون زامبيا.وفي محاولة جادة من طرف دار الإصلاح بكندا(1999) خصصت مصلحة السجن بداخله إمكانية تناول المساجين للواقيات إلا أنها لم تستعمل من طرفهم تفاديا لأحكام الآخرين ضدهم على اعتبار أن الممارسات الجنسية المثلية منبوذة رغم وجودها.
وبغض النظر عن العلاقات الجنسية التي تتم بالتراضي ،فان السلوكات العنيفة غالبا ما تميّز الحياة في السجن وذلك حتى على مستوى الممارسات الجنسية المثلية ،بحيث أنه تحدث عمليات اغتصاب ذكري(
Viol Masculin) في بعض السجون،والتي تكون مشحونة بالكثير من العنف والإكراه وغياب كل الوسائل الواقية التي تزيد من احتمال العدوى بفيروس VIH.كما وُجد أن بعض المساجين كثيرا ما يقومون بعملية الوشم وببعض الممارسات التي تمس بالجسم والتي وان اعتبرت من طرفهم رمزا للرجولة وللشرف ،إلا أنها تمثل خطورة بالغة لكونها تسمح بسهولة انتقال العدوى بالفيروس خاصة وأنه يندر وجود تجهيزات معقمة لأداء ذلك.
ونظرا لسهولة تفشي مرض السيدا في الأوساط العقابية بحكم الاعتبارات السابقة الذكر ،فانه جاء عن المؤتمر العالمي حول السيدا في سجون إفريقيا (Conférence Internationale sur le VIH/ Sida dans les prisons en Afrique,2006) أنه توجد أربعة مفاتيح أساسية للتقليص من حدة السيدا في السجون وهي:
أ.الكشف الإرادي(Le dépistage volontaire):يجب أن يسعى المسجون لإجراء فحص الدم (Sérologie) وأن لا يخضع إلى الفحص بدون استشارته لأن معرفته بذلك تسمح له بأن يعيش ايجابيا إصابته ،ومن ثمة يجتهد في الحصول على الإرشاد.
ب.الإرشاد( Le counseling):يجب أن تقدم للمساجين نصائح قبل وبعد الفحص ،حيث أن كل سلوك مضاد قد يدفع بالمسجون المصاب إلى تبني سلوكات مضادة اجتماعيا بهدف نشره لهذا المرض الخطير(سلوك انتقامي).
ج.السّرية(La confidentialité):ويجب أن تُحفظ نتيجة الفحص في سّرية تامة من طرف الطاقم الطبي ،إلا أنه في الواقع كثيرا ما يكون المسجون هو أخر مَن يعلم بإصابته في حين يكون الآخرون على علم بذلك.
د.المتابعة الصحية(Le suivi sanitaire):في حالة اكتشاف الإصابة بالسيدا أو بايجابية المصل،أوجب متابعة المريض المسجون متابعة صحية على مستوى الكفالة العلاجية والنفسية.
3.2.الوسط العقابي في الجزائر:
يصطدم الباحث بندرة الدراسات الخاصة بالوسط العقابي في الجزائر وذلك لأسباب أمنية بالدرجة الأولى ،حيث أصبح السجن من بين المواضيع الطابو يصعب تناوله علميا.إلا أنه من المفيد أن نشير إلى الأجواء العامة السائدة في الوسط العقابي في الجزائر.
وتُصنف المؤسسات العقابية وفق ما جاء في المواد 28 وما بعدها من قانون تنظيم السجون على النحو التالي:
أ. مؤسسة الوقاية:هي مؤسسة عقابية مختصة لاستقبال المحبوسين مؤقتا والمحكوم عليهم بعقوبة سالبة للحرية لمدة تساوي أو تقل عن سنتين والمحبوسين الذين بقيت لهم مدة تساوي أو تقل عن سنتين لانقضاء العقوبة المحكوم بها عليهم ويوجد هذا النوع من المؤسسات بدائرة اختصاص المحكمة.
ب. مؤسسة إعادة التربية: إن هذا الصنف من المؤسسات العقابية يستقبل الأشخاص المحبوسين لمدة تفوق سنتين وتساوي أو تقل عن خمس سنوات، بالإضافة إلى المحبوسين مؤقتا والمحبوسين لإكراه بدني.
ج. مؤسسة إعادة التأهيل: هذه المؤسسة يحبس فيها الأشخاص المحكوم عليهم بعقوبة سالبة للحرية لمدة تفوق الخمس سنوات، والمحكوم عليهم معتاد الإجرام والخطيرين مهما تكن مدة عقوبتهم وكذا المحكوم عليهم بالإعدام.
د. المراكز المتخصصة: أحدث المشرّع مراكز متخصصة لاستقبال النساء المحبوسات
مؤقتا أو المحكوم عليهن نهائيا مهما كانت مدة العقوبة وكذا المحبوسات لإكراه بدني.كما نشأت أيضا مراكز متخصصة لاستقبال الجناة الأحداث الذين لم يبلغوا سن الرشد الجزائي المنصوص عليه في المادة 442 من قانون الإجراءات الجزائية.
ولمواجهة نقص المراكز المتخصصة فانه يوجد على مستوى بعض المؤسسات العقابية جناح خاص بالنساء وجناح خاص بالأحداث.
ويشير رمضان سحنون(2006،ص03) إلى أنه تجدر الإشارة إلى أنه عند بلوغ الحدث سن الرشد الجزائي (18سنة كاملة) يُحوّل إلي جناح البالغين مهما كانت وضعيته الجزائية سواء محبوس بصفة مؤقتة أو محكوم عليه نهائيا.
- النظام العام للاحتباس:
تنص المادة 44 من قانون تنظيم السجون و إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين أنه يجب إخبار كل محبوس بمجرد دخوله إلي المؤسسة العقابية النظم المقررة لمعاملة المحبوسين من الفئة التي ينتمي إليها والقواعد التأديبية المعمول بها وكذا جميع المسائل التي ينبغي إلمامه بها لمعرفة حقوقه وواجباته و تكييف سلوكه وفقا لمقتضيات الحياة داخل مؤسسة عقابية.
وينقسم نظام الاحتباس إلى قسمين، أوردهما محمد زكي (1982، ص350
) على النحو التالي:أ.نظام الاحتباس الجماعي: يعيش المحبوسون وفق هذا النظام جماعيا في قاعات الاحتباس معدة لهذا الغرض، ويستفيد المحبوسون من فترات راحة وفسحة يقضونها بساحات منعزلة بعضها عن البعض وتحت حراسة أعوان إعادة التربية وذلك خلال أوقات يحددها النظام الداخلي للمؤسسة.
ب.نظام الاحتباس الانفرادي: وهو نظام يخضع فيه المحبوس للعزلة عن باقي المحبوسين ليلا ونهارا، ويطبق هذا النظام على المحكوم عليهم بالإعدام، شريطة عدم تجاوز نظام العزلة لمدة محددة وأخيرا المحبوس المريض كتدبير صحي بناء على رأي طبيب المؤسسة.
- قوانين إعادة التربية وإعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين:نكتفي بذكر بعض المواد المتعلقة بالرعاية الصحية لضرورة الموضوع ،وذلك كما جاءت في قانون تنظيم السجون:
المادة57: الحق في الرعاية الصحية مضمون لجميع فئات المحبوسين.ويستفيد المحبوس من الخدمات الطبية في مصّحة المؤسسة العقابية وعند الضرورة في أي مؤسسة استشفائية أخرى.
المادة58: يتم فحص المحبوس وجوبا من طرف الطبيب والأخصائي النفساني عند دخوله المؤسسة العقابية وعند الانفراج عنه، وكلما دعت الضرورة لذلك.
المادة60: يسهر طبيب المؤسسة العقابية على مراعاة قواعد الصحة والنظافة الفردية والجماعية داخل أماكن الاحتباس.
المادة 61: يوضع المحبوس المحكوم عليه، الذي ثبت حالة مرضه العقلي أو الذي ثبت إدمانه على المخدرات، المدمن الذي يرغب في إزالة التسمم، بهيكل استشفائي متخصص لتلقيه العلاج، وفقا للتشريع المعمول به.
- تسير المؤسسات العقابية:
يشمل القطاع العقابي بالجزائر 127 مؤسسة عقابية ومركزين للأحداث و400 13 عون موظف على مستوى مختلف الفئات،يشرفون على شريحة المساجين المكونّة من 000 35 إلى 000 40 سجين،وتعمل المديرية العامة لإدارة السجون وإعادة التربية التي تم إنشاؤها طبقا للمرسوم رقم 2002 – 98 المؤرخ في 20 جوان 1998 بالتكفل بتسيير قطاع السجون،حيث تتمثل مهمتها الرئيسية في عملية تنفيذ إصلاح قطاع المؤسسات العقابية التي تمت برمجته في إطار الإصلاح الشامل لجهاز العدالة.
ويتمحور هذا الإصلاح الذي يؤطره جهاز تشريعي وتنظيمي جديد حول إعادة تكييف المنظومة القانونية والتنظيمية وتحسين ظروف الاحتباس وذلك من خلال توسيع طاقات الاستيعاب،تعزيز التكفل الطبي ومواصلة تجهيز المصالح الصحية بالمؤسسات( عن:أبواب مفتوحة على العدالة،2006).
وبالرغم من مختلف الإصلاحات التي تسعى وزارة العدل لتجسيدها واجتهادها في عصرنة التجهيزات،إلا أن اكتظاظ السجون ما يزال يمثل مشكلة تواجهها مصالح إدارة السجون؛الأمر الذي يؤثر في عملية الإصلاح.
ورغم ضآلة انتشار مرض السيدا في السجون الجزائرية إلا أنها تبنت إستراتيجية مكافحة الأمراض المنتقلة جنسيا،وعملت وزارة العدل وإصلاح السجون على تحقيق أهدافها المتمثلة في:
- تخفيض انتقال عدوى الإصابات المنتقلة جنسيا،
- تشجيع الكشف الإرادي السّري والمجاني على مستوى المؤسسات،
- ضمان كفالة نفسية طبية للمساجين الحاملين لفيروسVIH.(Guide National,2006).
ومن جهة أخرى،فقد انضمت الجزائر إلى برنامج الأمم المتحدة لمكافحة السيدا (ONUSIDA)، وعملت على إنشاء الشبكة الجزائرية لمكافحة السيدا(A.N.A.A) سنة 2003 بالجزائر،وذلك بمساعدة صندوق الأمم المتحدة للسكان وبرنامج الأمم المتحدة لمكافحة السيدا في إطار الوقاية ضد انتشار فيروس السيدا والإصابة به.
كما عملت وزارة العدل على تبني خطة وقائية مبنية في الأساس على :
أ.القيام بنشاطات تحسيسية بخصوص أخطار العدوى:وهي مُوجهة للعاملين بالمؤسسة العقابية وللمساجين ،وترتكز على تقديم معلومات موضوعية حول مختلف أخطار العدوى ،طرق انتقالها،الممارسات الخطرة ووسائل الوقاية.
ب.عمليات الكشف: تبدأ منذ دخول المساجين المؤسسة وذلك من خلال مختلف الفحوصات،ويمكن إعادة إجراء الفحوصات في وقت آخر.
ج.عمليات الحماية: تستهدف مختلف الأخطار قصد تقليص انتقال عدوى بالنسبة للمساجين والعاملين أيضا من خلال احترام قواعد النظافة(Guide National, 2006).
- خاتمة واقتراحات:
الملاحظ من خلال ما تم عرضه فيما يخص انتشار مرض السيدا في المؤسسات العقابية أن الجهود التي بُذلت إلى حد الساعة ما تزال طليعية في مواجهة هذا الداء والتصدي له،إلا أن الاستمرار في تكثيف هذه المجهودات بشكل جاد من طرف كل دول العالم واحترامها لاتفاقياتها يعد من بين المنافذ التي تساعد في الحد من انتشار مرض السيدا،كما أن المجهودات المبذولة من أجل ترقية الخدمات الصّحية في السجون عملت بشكل ايجابي على كشف الكثير من الحالات المَرضية وان كانت عملية المتابعة الصحية لهؤلاء المساجين المصابين بعد خروجهم من السجن تعد تحد آخر يجب مواجهته.
والأمر الذي يجب تأكيده في هذا السياق ،هو أن علاج المريض بالسيدا هو علاج مكلّف ويشمل الجوانب الطبية والنفسية معا ،حيث يحتاج المريض إلى مساعدة نفسية حقيقية لأنه لا يكون للكفالة النفسية اثر ايجابي وشامل بالنسبة للمريض إلا إذا توفرت الظروف المحيطية المناسبة التي يمكن أن تسمح بتقبل ومواجهة المرض،ويشمل ذلك أساسا في تبصير المريض بحالته وتشجيعه ورفع معنوياته حتى يتخلص من مشاعر النبذ العاطفي والاجتماعي،ولا يتم ذلك عن طريق إخفاء حقيقة حالته المَرضية ؛بل أن روفيو (Ruffiot,1989,p272) يؤكد أنه يمكن ذلك من خلال "إعانته على تقبل حالته للوصول إلى تحمل كل ما ينجر عنها مع ضرورة إشراك محيط المريض أهمية تفهم حالته ودعمهم المعنوي له قصد تقوية العلاقات الايجابية".
ورغم أن الكثير من دول العالم لم تعير للوقاية من الإصابة بفيروس السيدا في الوسط العقابي الأهمية المستحقة وذلك بسبب سريته وخصوصيته(ONUSIDA,2002) ،إلا أنه بالإمكان تقديم بعض الاقتراحات التي جاءت عن الهيئات الدولية والعالمية المهتمة بالرعاية الصحية للمساجين والإصابة بمرض السيدا كما ما يلي:
- ترقية حق احترام صحة الأشخاص المساجين والذي يجب أن يرتكز على سياسة صحية منسجمة بالنسبة لكل قطاعات المجتمع.
- دعم الحوار والتعاون والتنسيق ما بين مختلف المسؤولين والفاعلين في عملية الوقاية من السيدا داخل السجون،والعمل على انجاز مشترك لسياسة وإستراتيجية وقائية شاملة ضد السيدا وكفالة المصابين بالمصل الايجابي في الوسط العقابي.
- الدعوة إلى احترام القوانين الداخلية المعمول بها في المؤسسات العقابية لتفادي انتقال عدوى الفيروس بين المساجين.
- العمل على نشر ثقافة صحية داخل المؤسسات العقابية بشكل واسع ومكثف قصد الوقاية من أخطار الإصابة بالأمراض بما في ذلك السيدا.
- إيجاد حلول بديلة بالنسبة للمساجين المدمنين على المخدرات، حيث أن العلاج بواسطة الميثادون (Méthadone) يمنع من الاستعمال المشترك للإبر فيما بين المساجين.
- قائمة المراجع:
1- الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية،وزارة العدل:أبواب مفتوحة على العدالة(السياسة العقابية الجديدة في ظل الإصلاحات) ،أيام 25-26-27 أفريل 2006.
2- الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وزارة العدل، قانون تنظيم السجون وإعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين.
3– الملتقى الوطني حول "استراتيجيات إثبات الأجسام المضادة ضد فيروس فقدان المناعة المكتسبة"،ملحق معهد باستور بسيدي فرج،14 جويلية 2007.
4- أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية(1999):النظم الحديثة في إدارة المؤسسات العقابية.
5- جعفر حسان وجعفر غسان(1998):الأمراض الجنسية والتناسلية، ط1، لبنان، دار المناهل للطباعة والنشر والتوزيع.
6-فتحي دردار (2000): السيدا بين الواقع وآفاق العلاج ،جامعة الجزائر.
7-رمضان سحنون(2006): إدارة السجون ،في إطار تكوين معاونو أمناء الضبط ،تحت إشراف وزارة العدل ،الجزائر.
8-محمد زكي(1982):دراسة في علم الإجرام والعقاب، بيروت، الدار الجامعية للطباعة والنشر.
9-جريدة الخبر اليومية :26 جوان 2007 مقال:"انتشار السيدا في الدول العربية".
المراجع باللغة الأجنبية:
10- Adler, W (1996) : ABC du sida, Editons Maloine, Paris.
11-Bouajar, R (1995) Signes cutanés du sida. In : Revue Santé Plus, No.47/48, Forem, Algérie, pp3-4.
12-Bruchon-Schweitzer, M ; B (2002) : Psychologie de la santé : Modèles, Concepts et Méthodes, Paris, Dunod.
13- Conférence Internationale sur le VIH/Sida dans les prisons en Afrique, Tenue à Dakar, du 16 au 18 février 2006, Organisée par l’observatoire International des prisons (O.I.P)
14- Guide National de prévention et de prise en charge des IST/VIH/SIDA en milieu carcéral, Direction générale de l’administration pénitentiaire et de la réinsertion, Comité sectoriel de lutte contre les IST/VIH/SIDA.
15- Jeune Afrique (1999) : Numéro spécial sur le sida, 19/25 janvier.
16- Leahy,J.P(1997) :Coping strategies of prisoners in maximum security prison :minimals optimals and utilitarians.
In:Social Through Reasearch,No.1-2 Vol,21.17-Le sida : la lutte des chercheurs contre le sida. In : Pour la science (1988) No Spécial, 134, mensuel, Dec.
18-Lengfelder,J;Slater,J&Graves,D(1992):Coping strategies of prison inmates in sectional institutions.
In:International review of modern sociology,Vol22,Sprig,pp13-26.19-Lounes, S (2004): Le sida dans le monde, Info sida, Ministère de la santé, de la population et de la réforme hospitalière.
20-Nortier, P (1997) : La drogue, peurs et espoirs du troisième millénaire. In : Sciences (1969), No.4, Vol.67, pp40-84.
21- ONUSIDA (2002) : Impact du conseil et du test volontaires : Aperçu à l’échelle mondiale des avantages et des difficulté, Genève, Suisse.
22- ONUSIDA (1997) : Le Sida dans les prisons, Genève, Suisse.
23- Pauchet, C (1984) : Le temps en milieu carcéral –Temps institutionnel et temps vécu. In : Revue pénitentiaire, No.82, p151-160.
24- Réseau Juridique Canadien VIH/Sida (1999) : VIH/Sida et hépatite C en prison : les faits.
25- Réseau Juridique Canadien VIH/Sida (1999) : Comportements à risque élevé derrière les barreaux
26-Réseau Juridique Canadien VIH/Sida (1999) : Prévention : Les condoms.
27- Réseau Juridique Canadien VIH/Sida (1999) :L’eau de Javel
28- Ruffiot, A (1989) : La psychologie de sida,Paris, Edition Pierre Margada.
**Le point sur l’épidémie de sida 2006, tableau récapitulatif.