

طيف الاختبارات النفسية وإشكاليات القياس
في الوطن العربي
د. محمد غازي الدسوقي سيد أحمد
المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية- مصر
الملخص
نظرا
للأهمية التي تحظى بها الاختبارات السيكولوجية في الوقت الحالي؛ جاءت هذه الورقة البحثية متضمنة عرض مبسط لمفهوم القياس النفسي وأهميته والأدوات التي يمكن الاستعانة بها في جمع البيانات التي تمكن من تفسير سلوك وقدرات الأشخاص، ليستطيع القاريء والمتخصص الوقوف على أهمية الاختبارات النفسية باعتبارها أحد أدوات جمع البيانات الموثوق بنتائجها، ثم استعرضت الورقة بشيء من التفصيل تاريخ الاختبارات النفسية واستخداماتها والإشكاليات التي صاحبتها، واختتمت بأطروحات حول تطوير الاختبارات وضرورة الاستعانة بوسائل متعددة لقياس الظواهر النفسية، بالإضافة للتخلي عن الاختبارات التي لم تعد تواكب التقدم المعرفي والتغيرات الثقافية والمجتمعية المتلاحقة.مقدمـة:
شهدت بدايات القرن الحادي والعشرين -والذي أوشك عقده الأول على الأفول- نموًا مضطردًا في شتى مجالات الحياة، وغدا السلوك البشري أكثر ضبطًا وتفسيرًا في دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية والتربوية والنفسية، وصارت التنمية البشرية وتحسين سلوكيات الأفراد وتنمية الاحساس بالسعادة والرضا واستمتاع الفرد بالحياة جُل موضوعاتها.
ولقد كان للنهضة العلمية التي شهدها التطور العلمي في منتصف الثمانينات من القرن العشرين دورها الواضح في دراسة وظائف المخ البشري، حيث توافرت للعلماء أداتان جديدتان لاكتشاف وظائف الدماغ هما: التصوير المقطعي Positron-emission Tomography والتصوير بالرنين المغناطيسي Functional magnetic resonance imaging، وقد مكنت كل منهما العلماء من ملاحظة كيفية عمل الدماغ ووصف طبيعة العمليات الدماغية بطريقة لا تتدخل في عمل المخ(تريفل 2006: 92). كما كان للهندسة الوراثية ومشروع الجينوم البشري دور رائد في تدعيم فكرة الأثر الوراثي على السلوك البشري المعقد، وتحديد الصفات الذهنية والسيكولوجية والأخلاقية، وتحسين الخصائص الوراثية في ميادين متعددة كالذكاء والطباع المزاجية التي تزكي الشعور بالآخرين والسلوك الاجتماعي(كيفلس وهود 1997: 312)، حتى أن بحوث العلماء عن القشرة الدماغية ودراسات علم النفس العصبي والخلايا العصبية والعمليات العقلية العليا التي يقوم بها المخ أشارت إلى أنه يعمل كمجموعة مترابطة وبوظائف ذهنية متباينة وشديدة التموضع(تريفل 2006: 111).
ولم يكن لعلم النفس بد من تبني تلك الرؤى الحديثة في تناول السلوك البشري وقياس مجالاته المتنوعة؛ فحاول التصدي لدراسة تلك الظواهر باستخدام أدوات قياس حديثة كأجهزة المسح الذري والتصوير المقطعي والمغناطيسي لنشاط المخ والخلايا العصبية.
وبتطور تلك النظرة للمخ ووظائفه بات ملحًا أن تتجه بحوث ودراسات علماء النفس للرصد الفعلي لمظاهر السلوك البشري واستخدام تقنيات القياس الحديثة في التفسير العلمي الدقيق للظواهر النفسية والعمليات العقلية.
وتعتبر الاختبارات السيكولوجية من أكثر أدوات القياس استخدامًا في علم النفس لما تتمتع به من مصداقية في نتائجها وموضوعية درجاتها، ومع الزيادة المضطردة في التربية النظامية، والاعتماد على الاختبارات بشكل كبير -في معظم مؤسسات وقطاعات الصناعة والتجارة وإدارة الأعمال والمستشفيات ومراكز الإرشاد، وفي مجالات عديدة متنوعة في المشروعات البحثية(Friedenberg, L., 1995: 4)- في تقويم وتصنيف وانتقاء الأفراد، صارت تلك الاختبارات جزءًا مهمًا ومتزايدًا في عملية اتخاذ القرارات ومعرفة الخصائص الشخصية والقدرات المميزة لهؤلاء الأفراد بما يُمكّن تلك المؤسسات من انتقاء أفضل العناصر لمباشرة مهامها الموكلة إليهم.
القياس النفسي.. المفهوم والأدوات:
تعود الجذور الأولى للقياس بالصورة التي عليها الآن للصينيين القدماء منذ أكثر من أربعين قرنًا من الزمان؛ وذلك عندما استخدموا الاختبارات المكتوبة في اختيار أفضل الناس المتقدمين لشغل مواقع في الخدمة الوطنية( Friedenberg, L., 1995: 8)، وانتهج المصريون القدماء أساليب متعددة في التقييم والحكم على الأفراد والاختيار فيما بينهم، وخلَدت نقوشاتهم تلك الأساليب، واستخدم الفلاسفة الإغريق صورًا شفوية وعملية من القياس في توزيع الناس على فئات المجتمع.
ويرتبط القياس بالتقدير؛ لاعتماد قياس الشيء في تقديره على شيء آخر يشبهه أو يماثله، وهو بهذا الشكل لا يقتصر على الأشياء المادية؛ بل إن الأحداث والصفات والخصائص والظواهر النفسية والاجتماعية يمكن إخضاعها للقياس وتمثيلها بالأرقام، أي أن القياس هو استخدام معيار أو محك أو تدريج لتحديد مدى توافر الظاهرة أو الصفة أو الخاصية المراد قياسها وتقديرها.
و يعرف نناللي Nunnally القياس في العلم بأنه: "قواعد استخدام الأعداد بحيث تشير إلى الأشياء بطريقة تدل على كميات من خاصية"، ومعنى ذلك أن القياس يعتمد في جوهره على استخدام الأعداد، وأنه يتضمن فكرة الكم التي تعني مقدار ما يوجد من صفة أو خاصية(أبوحطب وصادق 1991: 21).
ولقد امتد مسعى الإنسان في القياس إلى معظم ما يحيط به، وانتقلت مقاييس الظواهر الطبيعية إلى الظواهر الاجتماعية والإنسانية والسلوكية، وصار يستخدم في التربية وعلم النفس بصورة واسعة المجال، حيث يتم الاعتماد على أدواته في تشخيص وتحديد مستوى التحصيل الدراسي للطلاب أو قدراتهم وميولهم واتجاهاتهم ومعتقداتهم وقيمهم وخصائصهم الشخصية.
ليس هذا فحسب؛ بل إن هناك عددًا من الفلاسفة والعلماء يردون العلم إلى القياس، ومن هؤلاء عالم الفيزياء البريطاني اللورد كالفن؛ فقد ذهب إلى حد اعتبار أن أية معرفة لا تخضع للقياس ولا يعبر عنها بلغة العدد تعد هزيلة وغير مقنعة، وأكد أعلام مثل: كونت ودافنشي وبيكون المقولة التي تحولت إلى شعار للعلم الحديث؛ وهي تلك التي ساقها ثورندايك وهوجن Thorndike & Hogen في بدايات القرن العشرين، ومفادها "أن كل ما يوجد يوجد بمقدار، وأن كل ما يوجد بمقدار يمكن أن يقاس".
إلا أن العلماء في النصف الثاني من القرن العشرين سرعان ما أصبحوا أكثر حساسية لحقيقة مهمة؛ هي أنه حتى في العلوم التي تعتمد اعتمادًا كليًا على القياس كالعلوم الفيزيائية فإن محض الكم وحده لا يكفي لتفسير الظواهر، ومع ذلك يظل السعي الدائب لاستخدام لغة الكم في العلم(أبوحطب وصادق 1991: 20).
ويسعى علماء النفس لتحقيق الهدف من دراسة الظواهر النفسية إلى الاستعانة بالعديد من الوسائل والأدوات التي تمكنه من رصد جوانب وأبعاد الظاهرة المقيسة؛ بما يمكنه من تفسير الفروض والتصورات النظرية التي انطلق منها لدراسة الظاهرة.
وثمة تشوهات علمية لا يمكن إنكارها، وهي أن هناك خلطًا بين مناهج البحث وأدواته لدى البعض، فقد شاع في كتابات مناهج البحث اعتبار بعض أدوات جمع البيانات مناهج للبحث، ومن ذلك: منهج الملاحظة أو منهج المقابلة أو منهج الاستبيان، .. إلخ.
وحقيقة الأمر؛ فإن هذه المسميات وغيرها ليست إلا أدوات يستخدمها الباحثون لجمع البيانات، وهي تؤلف مكونًا أساسيًا من مكونات المنهج، وقد وقع بعض الباحثين أيضًا في أخطاء أخرى كأن يقال: المنهج الإحصائي، بينما الإحصاء هو أسلوب لتحليل البيانات ذات الطبيعة الكمية، أو يقال المنهج القبلي- البعدي، بينما هو في جوهره أحد تصميمات المنهج التجريبي(أبوحطب وصادق 1991: 130).
وعادة ما يقوم الباحث بدراسة الأدوات المتوفرة ليختار من بينها الأداة التي تناسب تحقيق الهدف من بحثه، أو تساعده في الإجابة عن الأسئلة التي انطلق منها، أو تمكنه من التحقق من فروضه حول الظاهرة موضوع بحثه. وفيما يلي عرض مبسط لبعض وسائل وأدوات جمع البيانات المستخدمة في القياس النفسي:
- الملاحظة Observation:
من أدوات جمع البيانات التي يفضلها الباحثون في العلوم الإنسانية والاجتماعية ما يسمى بالملاحظة، وهي كأداة تستخدم في مختلف مجالات البحث العلمية، فقد يستخدمها الطبيب والمؤرخ والكاتب والجيولوجي وعالم النفس والمربي والمعلم، وتعتمد بشكل أساسي على قابلية الفرد القائم بها وقدرته على الصبر والانتظار وتسجيل المعلومات والاستفادة منها(حنا وآخرون 1991: 97).
وهناك نوع من الملاحظة يطلق عليه الملاحظة الطبيعية Naturalistic Observation، أي ملاحظة الإنسان في محيطه الطبيعي وسياقه اليومي المعتاد. ويوجد نوع آخر يسمى الملاحظة المعملية Laboratory Observation ، وهي تعتمد في جوهرها على ظروف أكثر ضبطًا من الملاحظة في المواقف الطبيعية، لكنهما يتفقان في شروط وإجراءات تطبيقها، إلا أنها تختلف عنها في أنها أكثر تقنينًا(أبوحطب وصادق 1991: 136)، فالمهام التي تقدم في المعمل مهام مصطنعة وموحدة للجميع وشروط تقديمها واحدة وإجراءاتها كذلك، وبالتالي يمكن تعميم النتائج التي نتوصل إليها.
ويستخدم الباحثون بشكل واسع ثلاثة تكنيكات للملاحظة لتسجيل السلوك، هذه المقاييس الثلاثة بشكل عام تتحدد في استخدام مقاييس التقدير في شكل فئات تتضمن وحدات السلوك وجزيئاته، أو في شكل عددي أو درجات أمام السلوك الملاحظ، أو في شكل رسوم تخطيطية وفق معيار معين، وهذه الطرق الثلاث لتسجيل الملاحظة متشابهة إلى حد كبير، ومع ذلك فهي بالتأكيد بينها اختلافات تجعل أحدها مفيدًا جدًا عن غيره في مواقف بحثية خاصة(Mason, E., & Bramble, W. 1997: 304).
وبالطبع لا يمكن للباحث أن يلاحظ جميع جوانب السلوك في الفرد أو العينة في وقت واحد، ولهذا تعتمد جميع طرق الملاحظة على استراتيجية اختيار بعض جوانب السلوك فقط لتسجيلها، وهذا التقييد من شأنه أن يفقد الملاحظة خصوبة إدراك تفاصيل السلوك الكلي، إلا أن هذه الاستراتيجية تسهم في إكساب ما يتم ملاحظته الدقة والضبط.
- المقابلة Interview:
المقابلة هي المناقشة بين فردين أو أكثر، ويتم فيها تبادل الآراء ووجهات النظر في موضوعات معينة، أو التحدث مع الفرد بقصد استيفاء معلومات منه أو مساعدته على التخلص من مشكلاته(حنا وآخرون 1991: 85)، وهي تعد من الأدوات المستخدمة لجمع البيانات التي يصعب الحصول عليها بأدوات أخرى، وهي تعتمد في جوهرها على الاتصال المباشر والحديث المتبادل. وهي طريقة مرنة في جمع البيانات، ويمكن تكييفها لمواقف متعددة بسهولة، والغرض الرئيس لهذه المرونة يتمثل في حضور القائم بالمقابلة؛ فيمكنه تفسير الاستجابات مع المفحوص أثناء المقابلة، يسأله أسئلة إضافية لتوضيح النقاط، وقد يكيف المقابلة حسب الموقف(Mason, E., & Bramble, W. 1997: 315).
والمقابلات ربما كانت مقننة أو غير مقننة، فالمقابلات المقننة تتضمن أسئلة خاصة تتطلب عملية التفكير للإجابة عنها، ويتوصل المجيب عنها لإجابات متنوعة ومتوقعة وعليه أن يختار واحدة منها، وهي في هذه الحالة قد تكون أكثر موضوعية، بينما المقابلة غير المقننة ربما تسمح باستجابات معقدة يصعب تفسيرها، والمرونة الواسعة التي توفرها المقابلة غير المقننة تتطلب تعديلاً من الباحث لبعض الأسئلة والمواقف، ولهذا فعلى الباحث أن يحدد الطريقة المناسبة في عرض موضوعات البحث والعوامل الأخرى المرتبطة به.
وتستخدم المقابلة في ميادين عديدة كالطب والصحافة والمحاماة والعمل الاجتماعي والخدمة الاجتماعية والتوجيه التربوي والإرشاد والعلاج النفسي. ويلعب القائم بالمقابلة دورًا جوهريًا في إدارتها، فالأساس في نجاح تحقيق الهدف منها هو: الانتباه لحالة المفحوص خلال الإجابة عن أسئلتها، ومدى إدراك القائم بالمقابلة لفحوى الآراء التي يصدرها المفحوص بما يمكنه من ربط الأسئلة التي تسأل بالاستجابات المعطاة، والطريقة التي تسجل بها هذه الاستجابات وكيفية تفسيرها، ومثل هذه العوامل تؤثر في صدق وثبات المقابلة(Mason, E., & Bramble, W. 1997: 315).
- الاستبيان Questionnaire:
يعرف جود Good 1954 الاستبيان بأنه: "قائمة من الأسئلة تعد بشكل جيد لمعرفة آراء ومعتقدات واتجاهات الآخرين نحو موضوع معين"(حنا وآخرون 1991: 77)، وهو من الوسائل العملية الميسرة لتعريض المستجيبين لمثيرات واحدة ومختارة ومرتبة بعناية بقصد جمع البيانات اللازمة لإثبات صدق فرض ما أو رفضه(فان دالين2003: 395).
ويتشابه الاستبيان مع المقابلة في كثير من إجراءاتهما كتسجيل الفاحص للاستجابات، والتطبيق بطريقة فردية، بالرغم من تميز الأول بفقراته المحكومة، وسهولة تطبيقه على عينات كبيرة وهذه ميزة اقتصادية للوقت والجهد والمال، كما يتسم بسرية كبيرة ترتبط بالاستجابات والمستجيبين. فالميزة الأولى تؤكد تعرض المفحوصين لنفس الأسئلة، بينما تزيد الميزة الثانية من القدرة على تعميم البيانات، أما الميزة الثالثة فتتمثل في أن يكون لدى المفحوصين الرغبة في الإجابة عن الأسئلة بحرية وأمانة.
وبالرغم من هذه المميزات؛ إلا أن الاستبيان يكون أقل مرونة وتكيفًا من المقابلة، فحضور القائم بالمقابلة والذي يتوفر لديه القدرة على تكييف الموقف واستجابات المفحوص سوف تفقد، لذا يفترض الباحث أن المستجيب قادر على الوصول إلى المعلومات المناسبة في الاستجابة عن أسئلة الاستبيان، وهذا الافتراض يكون خطأً إذا لم يكن المستجيب قد قرأ أو كتب بدرجة كافية عن الظاهرة موضوع البحث؛ وبالتالي فإن نوعية ودقة البيانات ستكون مفقودة وغير مؤثرة.
ولأنه لا يوجد القائم بالمقابلة خلال تطبيق الاستبيان فإنه لا يمكن تقدير الدافعية والالتزام في الإجابة لدى الأفراد المستجيبين، وربما يكون لديهم وجهات نظر خاصة يرون أنها قوية وبالتالي لم يلتزموا بالإجابة المطلوبة، ولذلك فإن الباحثين المستخدمين للاستبيانات عادة ما يرون أن من الضروري وجود خطة لتوجيه المستجيبين نحو الإجابة، ولهذا فهم يتوقعون أن أكثر من 70 % من العينة قد أجابوا عن الأسئلة كما يرغب الباحث، وأن 30 % الباقية هم الذين لديهم وجهات نظر ربما تتضمنها استجاباتهم(Mason, E., & Bramble, W. 1997: 316- 317).
- الأدوات السوسيومترية Sociometric Instruments :
في العقود الأخيرة من القرن العشرين طور بعض الباحثين من أساليب قياس العلاقات الاجتماعية وأشكال التفاعل بين الأفراد في الجماعات الاجتماعية، وأطلقوا عليها "الاختبارات السوسيومترية".
وتعرف بأنها: "طريقة لدراسة التفاعل بين الأقران في مجموعة ما"، وهي كافية ببساطة لتستخدم مع الأطفال الصغار، وفي الوقت الحالي تم تطويرها بدرجة تسمح بدراسة الأنماط المعقدة للتفاعل بين المراهقين (Mason, E., & Bramble, W. 1997: 312).
وتوجد طرق عديدة لتحليل استجابات الأدوات السوسيومترية لعل أشهرها: المصفوفة السوسيومترية Sociometric Matrix وتسجل فيها جميع أسماء أعضاء الجماعة أفقيًا ورأسيًا، وتوضع علامات لخيارات القبول والرفض، ثم يدون مجموع هذه الخيارات لكل عضو أسفل المصفوفة، والسسيوجرام Sociogram وفيه يوضع اسم كل عضو في دائرة وتستخدم الخطوط في التوصيل بين الأعضاء، وتكشف هذه الشبكة من الخطوط عن علاقات القبول والرفض عن نجوم الجماعة والأشخاص الهامشيين والمعزولين(فان دالين 2003: 420).
ويتعلق صدق طريقة المقاييس السوسيومترية بالتفسيرات التي تُستقى من البيانات، بينما يتم حساب الثبات باستخدام طريقة إعادة تطبيق الاختبار على نفس المجموعة بعد وقت ما، وتفسير الثبات بهذه الطريقة يعد معقدًا عن حساب ثبات الاختبار، فعلى الرغم من أن المقاييس السوسيومترية مفيدة في دراسة التفاعل الاجتماعي، فإنه لا يمكن إدراك خصائص المستجيبين ودافعيتهم أو استنتاجها من استجاباتهم، وأكثر من ذلك؛ فربما يتم اختيار الفرد من بين أقرانه الأعضاء في مجموعة ما ولا يتم اختياره من أخرى، على سبيل المثال: الشخص الذي يمكن اختياره قائدًا في مجموعة ربما لا تختاره مجموعة أخرى. وبالرغم من أن المقاييس السوسيومترية كطريقة تبدو بسيطة؛ فإن تخطيط الباحث لاستخدامها يكون بحكمة لتصبح مألوفة لديه، كما تتطلب منه قوة ضبط الإجراءات والحدود خلال معالجته وتفسيره لموضوع البحث الأساسي(Mason, E., & Bramble, W. 1997: 314).
- الأساليب الإسقاطية Projective Techniques:
يعرف سيد غنيم وهدى برادة 1964 تلك الأساليب بأنها: "العملية التي يمكن عن طريقها الكشف عن دوافع الفرد ورغباته ونزعاته وحاجاته باستخدام مثير غامض وغير واضح المعالم إلى حد ما، ويقوم الفرد المفحوص بتفسيره وتأويله"(في: الأشول 1988: 298).
وهذه الأساليب من الوسائل المهمة لجمع المعلومات، وهي من نوع الاختبارات الإدراكية غير محددة البنية، وتقوم فكرتها على إحدى الحيل الدفاعية التي قدمها فرويد ألا وهي الإسقاط، حيث يقوم الشخص المفحوص بطرح ما فيه من عيوب أو خصائص غير مقبولة على الآخرين.
وفيها يطلب الباحث من المفحوص تفسير مثيرات غامضة مقدمة له ويستجيب لها بتلقائية، وعن طريق تلك الاستجابات يكشف المفحوص دون وعي منه عن نواحي تنظيم شخصيته وخصائصها، وتفسير تلك الاستجابات لا يقوم به سوى المُدربون عليها جيدًا، كما أن تصحيحها عمل شاق، ولذا فبعض هذه الأساليب صعبة التقنين(فان دالين 2003: 421).
فحينما يُطلب من مفحوص بعض المعلومات الشخصية عن نفسه؛ فإنه قد يخفي رؤيته الحقيقية متعمدًا، أو قد ينقصه الوعي بدوافعه، أو يكون غير قادر على تقديم معلومات لفظية دقيقة وموضوعية، لذلك ابتكر الباحثون تلك الأساليب لمعالجة الظواهر النفسية التي يصعب الوصول لمعلومات عنها بالطرق الأخرى أو لتلك التي تكون الأسئلة المباشرة فيها عرضة لاستجابات محرفة أو مزيفة.
لكن الذي يجب الحيطة منه عند استخدام هذه الأساليب هو ما يرتبط بمدى صدقها في قياس ما وضعت من أجله، فهي تفتقر لمعايير التصحيح، بل إن عملية تفسير وتحليل نتائجها ترتبط بشخصية القائم بالتفسير وأهوائه التي ربما تفتقد للموضوعية.
- الاختبار Test:
الاختبار هو أداة قياس موضوعية مقننة لعينة من سلوك الفرد أو ظاهرة من الظواهر، فحينما تتحول المهمة Task التي يستخدمها الباحث في الملاحظة العلمية إلى موقف على درجة عالية من التقنين فإننا نطلق عليها في هذه الحالة مصطلح اختبار.
ويرى نناللي Nunnally 1972 أن الاختبار ما هو إلا موقف مقنن يصف سلوك الفرد بدرجة(في حنا وآخرون 1991: 103)، وهو نوع من الأدوات أو الإجراءات لقياس القدرة أو التحصيل الدراسي أو الميول أو أية سمة أخرى(عبد الفتاح 1990: 616). ولعل أشهر تعريفاته كانت لأنستازي حين عرّفته بأنه: "مقياس موضوعي مقنن لعينة من السلوك"، وتعريف كرونباك بأنه "طريقة منظمة للمقارنة بين سلوك شخصين أو أكثر"، واستخلص منهما أبوحطب 1983 التعريف التالي "الاختبار النفسي هو طريقة منظمة للمقارنة بين الأفراد أو داخل الفرد الواحد في السلوك أو في عينة منه في ضوء معيار أو مستوى أو محك" (أبوحطب وصادق 1991: 144).
وعرفت ليزا فريدنبرج Friedenberg, L.1995 الاختبار بأنه يأخذ شكلين: الأول، ويرتبط باستخدام إجراءات خاصة أو منظمة، والثاني، ويرتبط بتقدير درجة الاستجابات، وتتضمن الإجراءات المنظمة عدة آليات من أجل انتقاء مجموعة من الفقرات أو أسئلة اختيارية، وتحديد الشروط التي يحتاج إليها تطبيق الاختبار أو إدارته، وتنمية أو تطوير نظام حساب الدرجات وتفسير الاستجابات. ويبدو أن تطوير فقرات الاختبار ببساطة تتطلب قابلية الباحث لمعرفة الخصائص والسمات المقاسة وتنوعها والعلاقات المنطقية بين محتوى الفقرة والخاصية محور الدراسة، وهذا غير كافٍ، لذا يجب أن يكون انتقاء مطور الاختبار للفقرات قائمًا على الدراسة العلمية للفقرة المتفق عليها، وعندئذ فقط يكون معد الاختبار متأكدًا أن فقرات الاختبار حقًا تقيس ما يحاول قياسه(Friedenberg, L., 1995: 5) .
ويهدف الاختبار إلى وصف السلوك كميًا أي تحديده ومقارنته بالغير إذا كان الميزان معياري المرجع أو مقارنته بميزان خارجي إذا كان الميزان محكي المرجع(حنا وآخرون 1991: 103). ويتميز باقتصاده للوقت والجهد والتكاليف عن غيره من وسائل جمع البيانات، كما أنه تندر فيه حالات تأثر تحليل بياناته وتفسير نتائجه بالعامل الذاتي للباحث، ومن هنا تأتي أهمية الاختبار في المجال النفسي والتربوي؛ لما يتسم به من الدقة والموضوعية وتبيان العلاقة بين المتغيرات.
خلاصة القول؛ إن الأدوات السابقة هي وسائل ومعينات يسعى الباحث من خلالها جمع البيانات لاختبار فروضه أو الوصول إلى تحقيق هدف بحثه. ويحدد الباحث مناسبة أي من هذه الأدوات أو تلك لبحثه وذلك من خلال فحصه للأدوات المتاحة أو محاولته تعديل بعضها أو بناء أدوات جديدة.
وفي هذا الصدد يشير فرانكل ووالن Fraenkel, J. & Wallen, N. 2003 إلى أن هناك طريقتين أساسيتين للحصول على الأدوات؛ وهما: إعادة استخدام الأدوات السابقة الموجودة في بعض المصادر، وتصميم وبناء أداة يطورها الباحث بشكل شخصي أو أن يكون قد طورها شخص آخر. ويشيران إلى أن تطوير الأداة بواسطة الباحث يقابله العديد من المشكلات؛ منها: أنه ليس من السهل إعدادها، وأن تنمية وإعداد مقياس جيد (أداة جيدة) عادة ما تكون غير اقتصادية في الوقت والجهد والمال. ولهذا يقترحان أن من المفضل انتقاء أو اختيار أداة مطورة جاهزة عندما تكون مناسبة لموضوع البحث ومفحوصيه، ومبررهما في ذلك أن معظم الأدوات عادة ما يتم تطويرها بواسطة خبراء القياس النفسي الذين يمتلكون المهارات البحثية الضرورية، وأن اختيار الأداة التي تكون جاهزة للتطبيق سوف تأخذ جهدًا ووقتًا أقل مما لو تم إعداد أداة جديدة لقياس نفس الشيء (Fraenkel, J. & Wallen, N. 2003: p. 120).
وعلى الرغم من تنوع أدوات ووسائل جمع البيانات؛ إلا أن الاختبارات تبقى الوسيلة الأساسية الذي يمكن الوثوق بنتائجها، حيث إن كل المشاركين يمكنهم الاستجابة لنفس الأسئلة أو الإنجاز على نفس المهام تحت شروط مماثلة، ولذلك فإن استجاباتهم يمكن تحليلها باستخدام إجراءات معيارية تقديرية خاصة، ويكون من السهل عمل مقارنة بين الحالات بموضوعية ( Friedenberg, L., 1995: 7)
بوضوح أكثر؛ فإن الاختبارات وغيرها من أدوات جمع البيانات جميعها له قوى وتقييدات، وهذا يحملنا لنقطة مهمة حول تقويم الناس، وعموما فإن أفضل قرارات يمكن أن تتخذ عندما تكون هناك بيانات متنوعة مجمعة من خلال استخدام تكنيكات وأدوات متنوعة.
فأي إجراء يستخدم تجميع معلومات عن الناس يمكن القول بأنه تقدير Assessment ، والاختبار نوع من التقدير الذي يستخدم إجراءات خاصة لتحقيق أو إنجاز معلومات وتحويلها إلى أرقام أو درجات، والاختبارات يمكن أن تستخدم مع طرق تقدير أخرى مثل الملاحظة أو المقابلة. لكن الفرق الجوهري بين الاختبارات وهذه الطرق؛ تكمن في درجة التحكم المتخذة في عملية جمع المعلومات(Friedenberg, L., 1995: 5).
ولهذه الأهمية التي تكتسبها الاختبارات من كونها أداة فاعلة في الأنظمة المدرسية والعيادات الإرشادية ومعظم مجالات الحياة العملية ما يدعو لتبني فكرة الاهتمام بها وتطويرها والعمل المستمر على استحداث أدوات أخرى تلائم التغيرات العصرية السريعة والمتلاحقة، لذا سوف نتناولها بشيء من التفصيل.
الاختبارات النفسية في الميزان.. لمحة إلى ما وراء التاريخ:
يعتقد البعض أن استخدام الاختبارات فكرة جديدة، ويؤكدون أنها صناعة أمريكية، وفي الحقيقة فإن كلا الاعتقادين خاطيء، فتاريخيًا تعود هذه الفكرة للأجناس الصينية، وأكثر من ذلك؛ فإن الحكومة الإنجليزية نفذت نظام الاختبار القومي الواسع في الخدمة الوطنية في عام 1855 تقريبًا قبل أن تنفذه الحكومة الأمريكية بثلاثين عامًا ( Friedenberg, L., 1995: 8)، لكن الاهتمام العلمي بدراسة الفروق الفردية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين قادت لزيادة استخدام الاختبارات، فتعود بداياتها لأعمال فرانسيس جالتون Galton, F. في دراسته للعبقرية وطبيعة الانتقاء، حينما حاول أن يدعم ويطور من نظريته بابتكار واستحداث وتطويع اختبارات الوظيفة الحسحركية مثل الإدراك البصري وزمن رد الفعل. وقد أصبحت أعماله فيما بعد الأساس الذي انطلقت منه أعمال عالم النفس الأمريكي جيمس كاتل Cattell, J. الذي صك مصطلح الاختبار العقلي Mental Test .
إلا أن البداية الحقيقية لاستخدام الاختبارات ظهرت في تشخيص حالات التخلف العقلي، وكان ذلك من خلال تكليف الحكومة الفرنسية لألفرد بينيه وسيمون Binet and Simon عام 1905 وذلك لتقويم حالات التخلف العقلي، ثم جاءت الحرب العالمية الأولى وجعلت من هذه الاختبارات ضرورة واضحة في المناسبات الخاصة باختبار المجموعات المقاتلة؛ وذلك عندما دخلت أمريكا الحرب واحتاجت لآلاف المجندين ومئات من القرارات لاختيار هؤلاء الأفراد للالتحاق بالجيش(Friedenberg, L., 1995: 8).
وخلال القرن العشرين نمت حركة بناء وتطوير الاختبارات في الاستجابة للتصورات النظرية والمطالب والاحتياجات العملية، ففي ميدان الشخصية على سبيل المثال: نجد أن نظرية فرويد في الشخصية قد انعكست في اختبارات مثل بقع الحبر لرورشاخ الذي يفترض أن الشخصية يمكن قياسها من خلال تحليل أنماط تصورات الأفراد في المثيرات الغامضة، وقائمة مينسوتا المتعددة الأوجه للشخصية جاءت من منظورات عدة متنوعة للاعتقاد بأن التقدير الدقيق للشخصية يتطلب مقارنات إمبيريقية في الأنماط المختلفة لإجابة الناس عن مجموعة من الأسئلة( Friedenberg, L., 1995: 9).
وفي الوقت الحالي تستخدم مئات الاختبارات التي تختلف فيما بينها في النوعية والهدف ودرجة الموضوعية ومدى الشمول والدقة العلمية، وصاحب هذه الطفرة في بناء الاختبارات واستخداماتها تطورًا ملحوظًا في الأساليب الإحصائية البارامترية واللابارامترية المستخدمة في الحكم على نتائجها.
والاختبارات النفسية متنوعة بتنوع مجالات النشاط الإنساني، فهي تقيس جوانب متعددة في الفرد؛ ففي البناء العقلي؛ تستخدم في قياس الذكاء والقدرات والاستعدادات والأساليب المعرفية وأساليب التعلم والتفكير والتحصيل الدراسي والمعرفي، وفي البناء النفسي؛ تقيس الميول والاتجاهات والقيم والنواحي المزاجية، بينما تقيس في البناء النفسحركي؛ المهارات البدنية ومرونة الجسم وقوة العضلات، ..إلخ.
وقد حظي البناء العقلي باهتمام خاص ليس فقط من قبل الباحثين؛ فقد تناوله الفلاسفة قديمًا منذ بدايات الحديث عن الإنسان، حيث كان تناولهم منصبًا على العقل كمحرك أساسي للشخصية، فارتبطت أعمال سقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم بالبحث عن المعرفة ونشاط العقل.
ومع بدايات الحديث عن القدرات العقلية في أوائل القرن العشرين وظهور أكثر اختبارات القدرات العقلية شهرة؛ وهو اختبار بينيه وسيمون في الذكاء عام 1904، اتجه اهتمام الباحثين بتلك القدرات وقياسها، وتوالى ظهور العديد من التصورات النظرية واختبارات قياس القدرات العقلية.
ففي نفس العام ظهرت نظرية العاملين للعالم الإنجليزي العملاق السير تشارلز سبيرمان، ثم توالى بعد ذلك ظهور النظريات في الجانب العقلي، ومنها: نظرية العوامل المتعددة لثورندايك 1920، وثيرستون 1938، وكاتل 1941، وبيرت 1949، وفرنون 1950، وأيزنك 1953، وجيلفورد 1955، والقوصي 1955، والبهي 1969، وأبوحطب 1973، وستيرنبرج 1981، وجاردنر 1983، ...إلخ.
وقد ساقت تلك النظريات والتصورات العديد من الأدوات والاختبارات والمقاييس حول النشاط العقلي، مثل: مقياس وكسلر- بلفيو للذكاء وهو من أشهر اختبارات الذكاء شهرة بعد اختبار بينيه، ومتاهات بورتيوس، ولوحة أشكال سيجان، والمصفوفة المتتابعة لرافن، واختبار القدرات الأولية لثيرستون "تعريب زكي صالح، واختبار كاتل المتحرر من الثقافة، واختبار الذكاء المصور لزكي صالح، واختبار الذكاء الابتدائي لبالارد، واختبار الذكاء الثانوي للقباني، واختبار رسم الرجل لجودانف، واختبار الذكاء الحسي لسبيرمان تعريب القباني والقوصي، واختبار الذكاء اللفظي لجابر عبد الحميد ومحمود عمر، واختبار الذكاء الفعال لرشدي فام وآخرون، إلى جانب العديد من اختبارات القدرات الطائفية والنوعية والذكاءات المتعددة التي أعدت على غرار نظريات الذكاء الأخرى.
وبنفس الاهتمام لاقت الشخصية وجوانبها الانفعالية والاجتماعية عناية الباحثين في سيكولوجية الفرد والفروق بين الأشخاص، وشهدت مجالات التنشئة الاجتماعية والميول والاتجاهات وسمات الشخصية إقبالا من التوجهات النظرية والدراسات الإمبيريقية للباحثين.
ورغم أن هذه التوجهات كشفت عن الكثير من جوانب الشخصية فإن الدراسات الكلينيكية والقياسات النفسية والبحوث التجريبية أضافت كمًا هائلاً من المعلومات والمعارف التي أسهمت في تفسير وفهم العديد من جوانب الشخصية، فركز بعضها على الجانب السلوكي والأفعال الخارجية بينما ركز البعض الآخر على المكونات الداخلية ومحددات السلوك البشري، ومن تلك التوجهات: نظرية التحليل النفسي لفرويد، ونظرية الذات لروجرز، ونظرية السمات لأولبورت، ونظرية الشخصية لموراي، ونظرية المجال عند ليفين، ونظرية البنية الجسمية عند شلدون، والنظرية الاجتماعية لأدلر، والنظرية التحليلية ليونج، والنظرية السلوكية لكلارك هل، ونظرية الشخصية المسلمة لسيد عثمان، ...إلخ.
وحاولت تلك النظريات والدراسات تفسير الصفات والخصائص الشخصية والقيم والميول من خلال استخدام وسائل قياس عديدة منها: اختبار مينسوتا المتعدد الأوجه للشخصية، واختبار أيزنك للشخصية، واختبار كاليفورنيا النفسي، واختبار رودجرز للانحرافات النفسية "تعريب مصطفى فهمي"، واختبار الشخصية للأطفال لعطية هنا، واختبار الشخصية لروبرت برنرويتر "إعداد عثمان نجاتي"، واختبار بقع الحبر لرورشاخ، واختبار تفهم الموضوع، واختبار الاتجاهات العائلية لجاكسون، ... إلخ.
والمستقرئ لتلك الاختبارات والأدوات -التي حاول من خلالها الباحثون الوصول إلى عمق الشخصية ومحددات السلوك الإنساني ونشاطه العقلي والنفسي- يتضح له اختلاف توجهاتها النظرية ومنطلقاتها الأساسية، بل إن هناك ثمة اختلافات جوهرية في مضمونها ومحتواها وإجراءات تطبيقها وتصحيحها وتفسيرها. وحسبنا أن نشير في هذا الصدد إلى أن الاستجابات على الاختبارات تحول إلى أرقام أو درجات تعكس مقدار توافر الخاصية موضوع القياس لدى الفرد المفحوص. وفي ذلك ترى فريدنبرج 1995 أن كل الاختبارات لديها مجموعة من الأدوار أو الإجراءات لوصف استجابات المفحوصين في بنود رقمية، وأن بعضها يستخدم الدرجات الموضوعية للاستجابات بتحويلها إلى أرقام ومقارنتها بقائمة من الإجابات المحتملة للسؤال ( Friedenberg, L., 1995: 6).
ومما يجدر الإشارة إليه؛ أن تلك الاختبارات وما حملته من طموحات واعدة، وما قدمته من معلومات ومعارف أسهمت في سبر غور معظم المشكلات البحثية والظواهر النفسية والتربوية خلال حقبة تاريخية مضت، قد أعدها الباحثون والعلماء خلال النصف الأول من القرن العشرين إلا القليل منها الذي أعد مع بدايات النصف الثاني منه.
خلاصة القول؛ إن أغلب الاختبارات المستخدمة في الدراسات والبحوث النفسية والتربوية العربية هي من تلك الاختبارت العتيقة التاريخ أنجلو أمريكية الصنع.
استخدام الاختبارات النفسية في الوطن العربي.. الواقع المعاش:
من المسلم به أن مشكلة البحث هي المحدد الأساسي لنوع الأدوات التي تستخدم لجمع البيانات والمعلومات التي تمكن الباحث من تفسير الظاهرة أو حل المشكلة موضوع البحث.
والمتأمل لواقع البحوث النفسية التي أجريت في الوطن العربي خلال العقود الثلاثة السابقة يتضح له أن البعض منها حاول تناول الظواهر النفسية والعقلية والسلوك البشري بشكل من التجزئة والتقسيم، أو ما يمكن نسبه إلى النظرية الذرية لثورندايك وهو التعامل مع المكونات الدقيقة والبسيطة للسلوك البشري، أو ما يشاع في الآونة الأخيرة حول الذكاءات المتعددة، أو بمعنى آخر لا تتعامل مع السلوك البشري بكافة جوانبه معًا، وبالتالي سادت فكرة الاختبارات الخاصة، مثل: اختبار القدرة اللغوية، واختبار القدرة الميكانيكية، واختبار القدرة الاجتماعية، واختبار القلق، واختبار التوافق النفسي، واختبار النضج الاجتماعي،.. إلخ، وفي المقابل؛ اتجه بعض الباحثين للعمل في مشروعات بحثية تتناول أوجه متعددة في الشخصية، أو ما يمكن عزوه إلى المنحى التكاملي، وذلك بسبب تعقد الحياة ونمو المعرفة التكنولوجية واتساع شبكة العلاقات وأنظمتها التي تشكل الظاهرة أو المشكلة المراد دراستها.
وهذا التوجه أو ذاك؛ كلاهما له دوره البارز في تطور علم النفس العربي عامة وأساليب وأدوات جمع البيانات خاصة والاختبارات على وجه التحديد، فقد خطا كل منهما خطًى عديدة ومهمة نحو تطوير اختبارات القياس التي يستخدمها في جمع المعلومات عن الظاهرة المعني بدراستها، مما ساهم بشكل فاعل في إثراء المكتبة العلمية والتراث النفسي في الوطن العربي خلال تلك الحقبة الزمنية.
وقد عُني الرعيل الأول من رواد علم النفس العربي الذين استكملوا دراساتهم العليا في دول الغرب في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين بالمعارف المتقدمة في مجالات علم النفس التربوي، وحاولوا جاهدين جلب كل ما وقع في أيديهم من الغالي والنفيس في العلوم النفسية واختباراتها من أجل إنعاش المكتبة العربية. لكنهم كما يقول كمال نجيب 1986 "لم يفطن هؤلاء المبعوثون إلى الارتباط الوثيق بين النظرية التربوية والبحث العلمي من ناحية، وبين ثقافة المجتمع وظروفه الاقتصادية والاجتماعية، ولم يدر بخلدهم اغتراب المشكلات البحثية الغربية عن الواقع العربي، ولذا فقد راحوا يشتقون مشكلاتهم البحثية من النظرية التربوية الغربية ويستخدمون نفس المناهج والأدوات السائدة في الغرب، ولهذا جاءت غالبية البحوث أجزاءً من نسيج العلم السيكولوجي الغربي"(في: حنا وآخرون 1991: 425).
ولهذا فإن أغلب أدوات القياس والاختبارات التي تحتويها المكتبة العربية هي في واقع الأمر غربية المنشأ محلية التطبيق، ولذلك شكك البعض في نتائجها بسبب التباين الثقافي والهوة المعرفية بين مجتمع صناعة الاختبارات ومجتمع التطبيق الميداني بالرغم من الجهود المحمودة التي قدمها هؤلاء الباحثون من أجل تعريب محتوى تلك الاختبارات وتوفيقها بما يتفق والثقافة العربية. وشاهدنا في ذلك؛ هذا العمل القيّم الذي بذل في تقنين مقياس ستانفورد بينيه ومقياس وكسلر في الذكاء وغيرهما من الاختبارات القيمة التي تحتويها المكتبة العربية.
وفي هذا المقام؛ يمكن عرض بعض هذه الاختبارات التي احتلت صدارة البحوث النفسية خلال العقود الثلاثة السابقة في مجالات القدرات العقلية والشخصية بشكل عام:
- مقياس ستانفورد بينيه للذكاء:
يعد المقياس الذي أعده لويس تيرمان Terman, L. عام 1916 أول تعديل وتقنين شامل لمقياس بينيه والذي أصبح أكثر شيوعًا وانتشارًا من مقياس بينيه الأصلي، وإن كان بينيه نفسه قام بتعديله مرتين: الأولى عام 1908 والثانية عام 1911 قبل وفاته بشهور قليلة، ونقله للإنجليزية سيرل بيرت عام 1913، وترجم النسخة الأصلية للغة العربية الباحث المصري أحمد فكري عام 1920.
ومع ظهور الطبعة الأولى لهذا المقياس بعد التعديل الذي تضمن أكثر من ثلث الأسئلة وإعادة تقنينه على عينة من الأطفال والراشدين الأمريكيين، أخذ المقياس في الانتشار والتداول في معظم أقطار العالم، ونقله للعربية طبيب مصري غير متخصص في علم النفس هو الدكتور حسن عمر عام 1928، ثم ترجمه على نحو أدق إسماعيل القباني عام 1938. وتوالت تعديلات المقياس الذي أعده تيرمان حتى كان آخرها تعديل عام 1960، وقد ظهرت طبعات متتالية لهذه النسخة كان آخرها طبعة 1985 التي طورت الأساس النظري والممارسة العملية للمقياس والتي أعدها فريق من العلماء بقيادة روبرت ثورندايك(أبوحطب 1996: 358).
ويحتوي المقياس على صندوق يتضمن مجموعة من الألعاب المقننة وكتّيبين من البطاقات المطبوعة وكراسة لتسجيل الاستجابات وكراسة التعليمات ومعايير التصحيح، ويتكون من صورتين، ويشمل اختبارات فرعية للفهم وإعادة الأرقام وأوجه الشبه والاختلاف ورسم الأشكال وتعريف كلمات مجردة وغيرها.
وعلى الرغم من الأهمية العلمية والعملية لهذا المقياس واستخداماته المتعددة في المدارس ومعامل علم النفس بكليات الآداب والتربية وإعداد المعلمين والعيادات النفسية وبعض مدارس ومشافي الصحة العقلية، فإنه يجب الحيطة عند استخدامه في حالات التصنيف العقلي وقياس الذكاء. فهذا المقياس كغيره من اختبارات الذكاء العام هو في الغالب مقياس للاستعداد المدرسي أو الأكاديمي، وهو مشبع إلى حد كبير بالمحتوى اللفظي خاصة في اختبارات المستويات العقلية العليا، وبالتالي فالأفراد ضعاف اللغة غالبًا ما يحصلون على درجات منخفضة نسبيًا في المقياس(أبوحطب وعثمان 1986: 161)، بالإضافة إلى أن هذا المقياس أعد في الأصل لقياس القدرة العقلية عند الأطفال لذلك فإن تطبيقه على فئات عمرية أخرى قد تؤتي بنتائج غير دقيقة. وفي هذا الصدد؛ يشير كرونباك 1984 إلى أن بينيه في بداية القرن العشرين عرف الذكاء بأنه القدرة على التكيف، وأن غرضه الأساسي من هذا الاختبار كان يتعلق بتحديد أي الأطفال مؤهل لدخول المدرسة(Beck, R. 1992: 67).
- مقياس وكسلر-بلفيو للذكاء:
ظهرت الطبعة الأولى من هذا المقياس عام 1939 وعرفت باسم مقياس وكسلر- بلفيو للذكاء، وكان أحد أغراض هذا المقياس هو توفير مقياس يصلح لقياس الذكاء لدى الراشدين. وقد أشار وكسلر إلى أن الاختبارات التي كانت متاحة في تلك الفترة ومنها مقياس ستانفورد بينيه معدة في جوهرها لقياس الذكاء لدى الأطفال وتلاميذ المدارس(أبوحطب وعثمان 1986: 165). وقد ترجم النسخة الأولى للعربية لويس مليكة وعماد الدين إسماعيل عام 1956. وظهرت فيما بعد ثلاثة مستويات لهذا المقياس منذ عام 1955 أولها للراشدين ويسمى مقياس وكسلر لذكاء الراشدين، والثاني للأطفال، والثالث لأطفال ما قبل المدرسة.
ويتكون المقياس من 11 اختبارًا فرعيًا ما بين اللفظية والأدائية تقيس: المعلومات العامة، والاستدلال الحسابي، والمتشابهات، وإعادة الأرقام، والمفردات، رموز الأرقام، وتكميل الصور، ورسوم المكعبات، وترتيب الصور، وتجميع الأشياء.
ولم يكن مقياس وكسلر بأسعد حظًا من مقياس ستانفورد بينيه، فقد أجريت عليه وعلى اختباراته الفرعية العديد من الدراسات العاملية التي أكدت تشبعه بالعوامل اللفظية، وقد وجد كوهن أن الاختبارات الفرعية جميعها تشبعت بثلاثة عوامل تقيس العامل اللفظي، وهي الفهم اللفظي والتنظيم الإدراكي والذاكرة. ويشير أبوحطب 1996 إلى أن هذه النتائج لم تدعم الإجراء المستخدم في المقياس، وهو تقسيمه إلى مقياس لفظي وآخر عملي(أبوحطب 1996: 364).
وعلى الرغم من أن مقياس وكسلر يختلف بشكل كبير في المنطلقات النظرية عن مقياس ستانفورد بينيه، فإنهما يقيسان الذكاء العام عند الأفراد أو ما يسميه سبيرمان بالعامل العام، وكلاهما يستخدم في الأغراض التشخيصية للاستعداد للمدرسة والتوجيه التعليمي والأغراض الكلينيكية ومصحات ومشافي العلاج النفسي. وقد بلغ معامل الارتباط بين المقياسين 0.80 وهو أعلى في المقياس اللفظي عنه في المقياس الأدائي والكلي، ويعاب على المقياسين أنهما لا يصلحان عمليًا لأغراض التقويم في الميادين التربوية والصناعية والتجارية والعسكرية بسبب التكلفة المرتفعة في الوقت والجهد والمال، بل إنهما لا يصلحان إلا في الأغراض الكلينيكية وتشخيص حالات التأخر الدراسي.
- اختبار بقع الحبر:
أعد هذا الاختبار عالم النفس العيادي السويسري هيرمان رورشاخ Hermann, Rorschach عام 1921 وتتكون الصورة الأصلية للاختبار من 10 صور تمثل بقعًا للحبر. وتفسير رورشاخ للشخصية وفق هذا الاختبار معقد جدًا ومحتوى الاستجابات هو جزء بسيط من الدرجة وهناك عوامل أخرى مثل تركيز العميل على تفاصيل معينة، والاستفادة من اختبار بقع الحبر The Rorschach Inkblot Test غالبًا ما يستخدم لدى المعالجين النفسيين(Beck, R. 1992: 73)، ويعتبر هذا الاختبار من الأساليب الإسقاطية، وهي من نوع الاختبارات الإدراكية غير محددة البنية، ومهامها تسمح للمفحوص بإصدار عدد من الاستجابات المحتملة وتعليماتها تتسم بالعمومية التي تسمح للمفحوص بإطلاق العنان لخياله، وفي هذا الصدد يذكر فؤاد أبوحطب 1987 أن الافتراض الكامن وراء هذه الأساليب هو أن الطريقة التي يدرك بها المفحوص مواد الاختبار ويفسرها أي طريقة بنائه للموقف سوف تعكس الجوانب الأساسية لتكوينه النفسي من آراء واتجاهات وطموحات ومخاوف وصراعات(أبوحطب وصادق 1991: 162).
- اختبار مينسوتا المتعدد الأوجه للشخصية:
يعد اختبار مينسوتا المتعدد الأوجه للشخصية The Minnesota Multiphasic Personality Inventory (MMPI) من أشهر المقاييس المستخدمة بين العياديين وفي مجالات الإرشاد النفسي، وقد احتل مكانًة عظيمة الشأن بين اختبارات الشخصية كتلك التي احتلها مقياس ستروج بين اختبارات الميول، وأعده في الأصل عالم نفسي هو هاثاوي Hathaway بمساعدة طبيب نفسي هو ماكنلي Mckinley عام 1940. وقد ظهر هذا الاختبار في وقت كانت الحاجة إليه شديدة، وكان الاعتماد عليه كبيرًا أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية التي شهدت اهتمامًا واسع النطاق في علم النفس المرضي والعلاج النفسي، وكان الهدف من تصميم هذا الاختبار هو المساعدة في تشخيص المرضى النفسيين، وتحليل السمات التي تميز الشذوذ النفسي الذي يؤدي إلى العجز(أبوحطب وعثمان 1986: 312)، ويتكون هذا الاختبار من 550 جملة، كمؤشرات للشخص يجيب عنها بثلاثة استجابات (نعم، ولا ، ولا يستطيع أن أحدد)، وهذا الاختبار يفهم ويفسر كليةً، بينما لا توجد فقرة فردية أو بُعد واحد يفسر بمفرده. ويحسب صدق هذا الاختبار من خلال إعطاء عدد كبير من الفقرات للمفحوصين الذين هم في الأصل يمثلون أنواعًا معينةً من المشكلات السيكولوجية(Beck, R. 1992: 71). وقد بُني على أساس هذا الاختبار العديد من مقاييس الشخصية الأخرى، مثل: اختبار كاليفورنيا النفسي، وقائمة موني للمشكلات، البروفيل الشخصي لجوردن، وغيرها. ولعل أشهر الانتقادات التي وُجهت لهذا الاختبار؛ هو أن المعالجة السيكومترية لبنوده واحدة، بالرغم من أن الأهمية النفسية لتلك البنود متباينة، فمثلاً: البنود التي تستفسر عما إذا كان الشخص يلبس فردة حذائه اليمنى قبل اليسرى، وبين البنود التي تسأل عما إذا كان الشخص تراوده أحيانًا أفكار الانتحار(ديز 1995: 140).
- قائمة كاليفورنيا للشخصية:
وهذه القائمة The California Personality Inventory (CPI)من نفس سلالة المنحى الذي أُعد في ضوئه اختبار مينسوتا، بل إن نصف عباراتها مشتقة منه. ويشير كوهن وآخرون Cohen et al., عام 1988 أن هذه القائمة مناسبة للحياة اليومية، وأنها تقيس العديد من الخصائص مثل: السيطرة، والاجتماعية، وتقبل الذات، والمسئولية، والضبط الذاتي، والإنجاز، والكفاءة العقلية، والمرونة. وتلخص درجات اختبار مينسوتا وقائمة كاليفورنيا البروفيل الشخصي للفرد، وكذلك الصورة التي تحدد اختلاف الدرجات بين الأشخاص، وتقديرات الشخص الذي يطبق عليه الاختبار. على سبيل المثال: الطالب الذي لا يستطيع التوافق مع المدرسة الجديدة ربما يذهب للمرشد النفسي، ثم يقوم المرشد بتطبيق القائمة عليه، ومن خلال استجابات الطالب الذي قد يُظهر انخفاضًا في الاجتماعية والمرونة، يحدد المرشد أن هذا الطالب بحاجة لبرامج خاصة تساعدته على التكيف مع المدرسة(Beck, R. 1992: 71-72). وقد استخدمت هذه القائمة منذ زمن ليس بالقصير كجزء ضروري لتقدير كفاءة الفرد في القيام بمهن معينة مثل: الطب، والمحاسبة، والتدريس، والمحاماة، والتمريض، والإرشاد النفسي والعلاج النفسي، وغيرها(عبد الفتاح 1990: 10). وقد نقل هذه القائمة للعربية جابر عبد الحميد ويوسف الشيخ (صورة المرحلة الثانوية)، بينما أعدها لتلاميذ المرحلة الابتدائية عطية هنا باسم "اختبار الشخصية للأطفال".
وفي المقابل؛ سعى بعض السيكولوجيين إلى إعداد اختبارات يتفق محتواها والثقافة العربية في شتى جوانب الشخصية العقلية والوجدانية والمهارية، وفي مجالات علم النفس بشكل عام، من هذه الاختبارات على سبيل المثال:
- مقياس الذكاء المصور:
أعد هذا الاختبار عالم النفس المصري والعربي أحمد زكي صالح، وتقوم الفكرة الأساسية لهذا الاختبار على التصنيف والكشف عن الشكل المخالف بين مجموعة من الأشكال، يتميز هذا الاختبار بأن المدى العمري الذي يتسع له يمتد من 8 إلى 17 عامًا، ويستغرق تطبيقه عشر دقائق، بالإضافة إلى أنه اختبار غير لفظي، وقد تم تقنين الاختبار على عينات كبيرة من المراحل العمرية المختلفة، كما أن للاختبار معايير لكل عمر، ويعطي تقديرًا لنسبة الذكاء. واستخرجت معاملات الثبات فكانت تتراوح بين 0.75، 0.85، وحسب معامل الصدق باستخدام معاملات الارتباط مع الدرجة الكلية لاختبار القدرات العقلية الأولية لثيرستون"تعريب زكي صالح" فكان 0.34 (الخضري 1996: 128)، وقد استخدمته العديد من الدراسات والبحوث النفسية في الوطن العربي.
- مقياس الذكاء الإعدادي:
يهدف هذ الاختبار إلى قياس القدرة على الحكم والاستنتاج خلال ثلاثة أنواع من المواقف: لفظية، وعددية، وشكال ورسوم، وهو من إعداد السيد خيري الذي يرى أن الذكاء كما يقيسه هذا الاختبار يقترب من مفهوم العامل العام عند سبيرمان، رغم أنه اختبار غير متجانس التكوين، وهو بذلك أقرب إلى نمط مقياس ستانفورد بينيه(أبوحطب وعثمان 1986: 165)، وتم تقنين هذا المقياس بمصر عام 1958 في بيئات متنوعة تضم أنماطًا ثقافية متعددة لطلاب المدارس في مناطق القاهرة والوجه البحري والوجه القبلي، وبلغ معامل ثباته 0.92، بينما بلغ معامل صدقه 0.65 عندما حسب ارتباطه باختبار الذكاء الابتدائي لإسماعيل القباني(الخضري 1996: 124).
- اختبار الأمراض النفسية:
أعد هذا الاختبار عبد الرحمن عيسوي عام 1980 لتعرف الميل نحو أهم الاضطرابات العصابية الشائعة؛ مثل: الخواف أو الفوبيا، والهيستريا، والاكتئاب، والقلق، وتوهم المرض، والوسوسة. وذلك ليكون صالحًا للاستعمال مع طلاب المرحلة الثانوية والجامعية من الجنسين، ولاكتشاف من يعانون من تلك النزعات العصابية بالمستشفيات والعيادات النفسية.
وقام معد الاختبار بتطبيق الاختبار في صورته الأولية والمكون من 128 مفردة على عدد 192 طالبًا وطالبة بالجامعة، وبلغ معامل ثباته 0.91، بينما بلغ معامل الارتباط بين الدرجة الكلية للاختبار واختبار (ع. م. ك. وضع: فورنكس وجيفسون Furneux, W. & Gifson, H.) للنزعات العصابية 0.69 وذلك لحساب صدق المحك(عيسوي 1980: 416). وقام معد الاختبار بتقنينه على عينة من الشباب السوداني بلغت 443 طالبًا وطالبة.
ونخلص إلى أن ما سبق عرضه من اختبارات هو إشارة لنوعية الاختبارات المستخدمة في البيئة العربية، والتي تكاد تغطي شتى جوانب الشخصية، وغالب الأمر أن هذه الاختبارات تستخدم في ميادين التربية والإرشاد والعلاج النفسي وفي بعض الأحيان تستخدم في عمليات التوجيه التعليمي والمهني والانتقاء أو شغل الوظائف.
ومع أن الاختبارات تستخدم لتعطي معلومات عن الناس؛ فإنه في معظم الحالات يتم توظيف هذه المعلومات بطريقة تقويمية، على سبيل المثال: تتوصل الاختبارات لبيانات تستخدم في اتخاذ قرارات عن الناس، وتستخدم كذلك لاتخاذ قرارات متعلقة بالبحث العلمي، ووفقًا لذلك فإن أنماط الاختبارات المتوفرة بالبيئة العربية تستخدم في معظم الحالات التالية:
- التقدير Rating :
تساعد بيانات الاختبار القائمين عليه في إيجاد مقارنة بين المفحوصين وأقرانهم، أو بعض معايير الأداء. والتقدير في هذه الحالة يستلزم استخدام درجات الاختبار ليمثل أو يظهر مستوى الأفراد في الأداء، على سبيل المثال؛ في أغلب المواقف التربوية تستخدم الدرجات كمقياس لأداء الطالب، وعندما تستخدم الاختبارات في عملية تخصيص الدرجات، فإن درجات الاختبار تستخدم في تقدير أداء الطالب، أو حتى توجيه البرامج التدريبية. وفي ميدان العمل؛ يمكن استخدام الاختبارات في تقدير إنتاجية العامل مقارنة ببعض معايير الأداء أو بأداء غيره من العمال( Friedenberg, L., 1995: 9). وفي معظم الأحيان يجب أن يقوم متخصصون مؤهلون بعملية التقويم قبل اتخاذ قرار بتقديم خدمات تربوية أو تدريبية، كما يحدث في حالات الإعاقة مثلاً أو التقدم للوظائف(عبد الفتاح 1990: 56).
- الانتساب (التوجيه) Placement :
يستلزم الانتساب تقويم الناس عندما ينوون الالتحاق بالعمل، وذلك لتوجيههم إلى الوظائف والبيئات والأماكن المناسبة، على سبيل المثال؛ يمكن استخدام الاختبارات في عملية تحديد التخصص التعليمي المناسب، كتوجيه الطالب أكاديميًا أو في الالتحاق ببرامج الإسراع أو التوجيه المهني، أو لتوجيه الطالب للمقررات الدراسية المناسبة التي يمكن أن يلتحق بها، أو الوظائف والخدمات المجتمعية، وكما يستخدم قطاع الأعمال والتجارة والصناعات الاختبارات ليقرروا من الموظف المناسب ليشغل المكان المناسب في تلك الوظائف( Friedenberg, L., 1995: 10).
- الانتقاء (الاختيار) Selection :
تستخدم الاختبارات في اختيار مجموعة من الناس ضمن كثيرين؛ سواء للالتحاق في المدارس الخاصة أو الجامعات أو الأعمال والوظائف المدنية والعسكرية، حيث تستخدم المدارس المهنية الأداء في الاختبارات المعيارية لتحديد البرامج الأكاديمية التي يتم تقديمها للطلاب. وتستخدم درجات الاختبار في التجارة والصناعة أيضًا كمقياس لتحديد الشخص المناسب لشغل وظيفة ما، وفي هذه الحالة تستخدم الاختبارات كعوامل مساعدة وتشخيصية تمكن القائم بالاختيار من الوصول للأفراد الذين يحتمل أن يكونوا ناجحين( Friedenberg, L., 1995: 10). وقد تطبق الاختبارات لتعرف الأشخاص الذين يختلفون بشكل كبير عن زملائهم من نفس العمر ويكونون بحاجة لرعاية خاصة، كأن تطبق اختبارات الذكاء لتعرف التلاميذ إما لأنهم ذوو قدرة عقلية محدودة أو لأنهم ذوو قدرة عقلية فائقة، كما يمكن استخدام الاختبارات التحصيلية لتعرف التلاميذ ذوي صعوبات التعلم(عبد الفتاح 1990: 56).
- الكفاءة Competency :
تستخدم الاختبارات لتحدد
²__€ الامتحان الأدائي الذي يمكن أن يقابل معيار الالتحاق قبل اختيار الأفراد، وتفضل أغلب الأنظمة المدرسية الخاصة أو الأجنبية في البلدان العربية أن يلتحق بها الطلاب الذين اجتازوا فترة الامتحانات المبدئية بكفاءة لقبولهم لديها، ليس هذا فحسب؛ بل إن بعض المؤسسات التجارية والصناعية تتطلب من المتقدمين لشغل وظائف بها أن يكونوا قد حصلوا على رخصة أو شهادة بأنهم مؤهلون لهذا العمل. كما أن بعض المهن قد تعقد اختبارات للكشف عن مستوى المرشحين. وفي هذه الحالات؛ فإن الاختبارات تقرر من الفرد الذي يؤدي وفق المستوى المتوقع.- التشخيص Diagnosis :
التشخيص أحد الميادين المهمة التي تستخدم الاختبارات لتحديد طبيعة ونمط الخصائص الشخصية للأفراد، والاختبارات المصممة للتشخيص غالبًا ما تتوصل لصورة متعددة الأبعاد لكل سمة، مثل القراءة أو العمليات الحسابية أو الإدراك الاجتماعي أو مفهوم الذات، على سبيل المثال؛ فإن اختبار مفهوم الذات يقدم درجات تشير إلى مدى إدراك المفحوص لذاته في المواقف الاجتماعية والأكاديمية. وتستخدم بعض المدارس الاختبارات لتعرف مشكلات التعلم الجوهرية لدى الأطفال وتقترح في ضوء نتائجها مجالات القوة المفيدة في خطط العلاج. كما يستخدمها المعالجون النفسيون في تعرف أنواع المشكلات المرضية وسوء التكيف بهدف التخطيط لمناحي العلاج(Friedenberg, L., 1995: 10).
- تقويم المخرجات Outcome Evaluation :
تستخدم الاختبارات لاتخاذ قرارات بشأن تقويم المخرج؛ مثل: قيمة البرنامج، والمنتج، ومقرر من المقررات. والاختبارات المعيارية يمكن استخدامها في مقارنة فعالية وتأثير طرق التدريس المتنوعة لتحديد أنسبها، أو لتعرف فعالية الأنماط المختلفة للعلاج، كما يمكن استخدامها في عملية اختيار أي المقررات الصالحة للتطبيق، على سبيل المثال؛ أي من تلك الاختبارت يمكن اعتباره أفضل منبئًا للأداء في وظيفة ما، وأيها أفضل للاستخدام في تعرف المتقدمين للوظائف( Friedenberg, L., 1995: 11). كما يمكن استخدامها في تعرف مدى تقدم الأفراد خلال الصفوف الدراسية ليقف المعلمون وأولياء الأمور على حالتهم التعليمية؛ فالتقديرات التي يحصل عليها التلاميذ في الاختبارات التي يعدها المعلمون والاختبارات الموضوعية تعتبر مؤشرات عامة لتقدمهم الأكاديمي، وقد يستدل من بعض الاختبارات ونتائجها على الأهداف التربوية التي تحققت والأهداف التي لم تتحقق(عبد الفتاح 1990: 58).
- تخطيط البرنامج Program's Planning :
تطبق الاختبارات في كثير من الأحيان كوسيلة لمساعدة المعلمين والمربين في تخطيط البرامج التربوية للأفراد والجماعات من التلاميذ، فقد تستخدم المعلومات التي يتم الحصول عليها من الاختبارات لتحديد المستوى المناسب للقراءة أو الرياضيات لفرقة دراسية معينة، أو اتخاذ قرار بشأن نقل تلاميذ لبرامج علاجية خاصة، وتستخدم الاختبارات أيضًا في اتخاذ قرارات بشأن أنواع المواد التي يجب أن تدرس في نوع من التعليم-العام والزراعي أو الصناعي- وكيف نعلم الأفراد والجماعات(عبد الفتاح 1990: 58).
- تقويم البرنامج Program's Evaluation :
يختلف تقويم البرنامج عن الأغراض الأخرى لاستخدامات الاختبارات؛ في أن البرنامج التربوي هو الذي يتم تقويمه بدلاً من التلاميذ، حيث تستخدم الاختبارات لتقويم فعالية البرامج، مثل: برامج مرحلة ما قبل المدرسة، والمقررات الدراسية، والخدمات الطلابية. على سبيل المثال؛ حين ترغب منطقة تعليمية في تجريب برنامج لمدة عام في مدرستين من مدارسها، فإنها في معظم الحالات تطبق الاختبارات عند بداية العام وفي نهايته حتى يمكن قياس تقدم الطلاب، ثم تجرى مقارنة بين نتائج الطلاب في المدارس التجريبية والعادية خلال نفس الفترة وذلك في محاولة لتقويم الفعالية النسبية للبرنامج التجريبي(عبد الفتاح 1990: 58).
- أداة لجمع البيانات Tool for Collect Data :
تكمن القيمة الجوهرية لمعظم الاختبارات النفسية المتوفرة بالبيئة العربية في استخدامها فقط كأدوات لجمع البيانات الخاصة بالمفحوصين عينة البحوث الميدانية التي يقوم بها الباحثون في علم النفس والتربية، وذلك بما يمكنهم من التحقق من فروض بحوثهم وتفسير النتائج التي توصلوا إليها. ليس هذا فحسب؛ بل إن بعضها يستخدم كأدوات للحكم على صدق الاختبار الذي أعده الباحث لقياس نفس السمة أو الظاهرة موضوع بحثه، ويخلص في النهاية لصدق الاختبار المعد وصلاحيته للتطبيق وما وضع لقياسه، أو ما يطلق عليه "صدق المحك". وهذا الاستخدام الأخير للاختبارات هو السبب الرئيس لهذا الطيف الهائل من الاختبارات التي تزاحم الكتب العلمية على أرفف المكتبات العربية. ولأن مُعدي تلك الاختبارات يكتفون إما بحصولهم على الدرجة العلمية إذا استخدم هذا الاختبار في بحث للماجستير أو الدكتوراه، وإما بنشر البحث، فإن ذلك قد أدى إلى تعدد الاختبارات التي تقيس نفس الظاهرة النفسية أو السلوك البشري، كما أدى إلى عدم توافر أدوات مقننة لها دلالاتها الإمبيريقية وصلاحية التطبيق لندرة الدعم الإمبيريقي والدراسات والبحوث التي استخدمتها. ليس هذا فحسب؛ بل إن هذه الاختبارات غالبًا ما تكون من نوع "اختبار الورقة والقلم" والتي تقيس الجانب اللفظي في معظم الأحوال، وذلك بسبب ارتفاع التكاليف المالية والجهد الشاق الذي يتطلبه إعداد بعض الاختبارات ذات التكنيكات العملية والتقنية العالية، خاصة وأن تلك البحوث غالبً ما يقوم بها باحث بمفرده دون مساعدة أو معاونة من المؤسسات المعنية، ولذلك فهي تشكل عبئًا اقتصاديًا على الباحث.
إشكاليات الاختبارات النفسية في الوطن العربي.. وطموحات الحل.
يذخر التراث العربي بمئات الاختبارات والمقاييس النفسية، بل إن المكتبة العربية تعاني التخمة من تلك الاختبارات، حتى أن إحدى دور النشر في مصر يتوافر بها وحدها عام 2002 أكثر من 195 أداة واختبار، لقياس: الذكاء، والقدرات العقلية، وجوانب الشخصية الأخرى. فما بالنا بالاختبارات المنشورة في دور النشر الأخرى في مصر والدول العربية، أو الاختبارات حبيسة الرسائل والبحوث العلمية التي لم تخرج للنور إلى الآن.
هذه الاختبارات شهدتها حقبة تاريخية مهمة في تاريخ علم النفس العربي؛ وهي النصف الثاني من القرن العشرين، فخلال تلك الفترة حدثت ثورة في عالم الاختبارات، نتيجة توافد البعثات العلمية المتكررة والمتنوعة إلى الدول الأنجلو أمريكية بعد حصول العديد من الدول العربية على الاستقلال. ولشغف المبعوثين وفضولهم وانبهارهم بعلم النفس الغربي ونظرياته المتعددة، نهم الباحثون العرب منه ما أتيح لهم، وأقبلوا على تعريب الاختبارات المستخدمة في الدراسات الغربية بدرجة فاقت توقعاتهم، للحد الذي جعلهم يفضلون تعريبها عن بناء اختبارات جديدة، وذلك لاستخدامها في بحوثهم التي تمت في البيئة العربية، خاصة تلك المرتبطة بقياس: قدرات الذكاء، والاستعدادات، والميول المهنية، والسمات الشخصية.
وما يمكن قوله في هذا الشأن؛ إن هذا التنوع كان وراءه تعدد الأطر النظرية والتصورات التي قدمها علماء النفس آنذاك.
وعلى الرغم من كثرة تلك الاختبارات وتنوعها وتعدد استخداماتها في قياس جوانب الشخصية المختلفة والسلوك البشري والمشكلات النفسية التي يقابلها الناس في البيئة العربية، فإنها خلفت العديد من الإشكاليات التي أسهمت بشكل كبير في الحد من فعالية ونجاح عمليات القياس والتقويم وعدم تحقيق الهدف المنشود منها خلال العقود المنصرمة، ومن أهم هذه الإشكاليات:
تعدد الاختبارات المستخدمة لقياس نفس الظاهرة، حيث تعتبر من إحدى الإشكاليات الكبرى التي صاحبت الاختبارات النفسية في الوطن العربي، فعلى سبيل المثال: يوجد أكثر من اختبار لقياس الذكاء؛ كاختبار بينيه، ووكسلر، والمصفوفات المتتابعة، والذكاء المصور، وجميعها تقيس الذكاء العام بالرغم من اختلاف المنطلقات النظرية فيما بينها.
أغلب الاختبارات المستخدمة هي اختبارات أنجلو سكسونية وأمريكية الصنع والبناء، وتم تعريبها وتطويرها بما يخدم الباحث في دراسته الميدانية على البيئة العربية، هذا على الرغم من اختلاف الخصائص الشخصية للأفراد في المجتمعات الغربية والمجتمعات العربية، بالإضافة للتباين الثقافي والقيمي بينهما.
تداخل محتوى الاختبارات فيما بينها، خاصة عندما يستخدم الباحث اختبارًا ما كمحك لاختبار قام ببنائه، فقد تكون هناك بعض البنود والفقرات في الاختبار المحكي متشابهة أو مطابقة بشكل كبير لبنود وفقرات الاختبار المُعد.
غالبية الاختبارات مصممة بطريقة تسمح للمفحوصين بتزييف الاستجابة؛ خاصة تلك الاختبارات التي تقيس جوانب خاصة في الشخصية، أو تكشف عن العالم الداخلي للفرد. فقد تتطلب بعض البحوث النفسية أن يعطي المفحوص بيانات عن نفسه بشكل مباشر، ويشمل ذلك معلومات أو ميول أو قيم ومعتقدات أو اتجاهات. وربما تستخدم أنواعًا مختلفة من الأسئلة لاكتشاف العالم الداخلي للمفحوص، فقد تكون في شكل استبيان أو تتم من خلال مقابلة مباشرة، ويتطلب من المفحوص أن يجيب عن هذه الأسئلة بنفسه، وهذا ما يسمى بالتقرير الذاتي Self-report . وقد تختلط الأمور على المستجيب فيجيب عن الأسئلة بوصفها ما يجب أن يكون، أو كما هو مرغوب فيه في الثقافة التي يعيش فيها، لا كما يسلك بالفعل. وقد يلجأ إلى تزييف الاستجابة لإعطاء صورة غير حقيقية تتفق مع المرغوبية الاجتماعية. وفي هذا السياق يشير أبوحطب وصادق 1991 إلى أن أهم ما يجب النظر إليه هو أن وسائل التقرير الذاتي في أحسن حالاتها لا تقيس ما يعتقده الشخص أو ما يفضله بالفعل وإنما تقيس ما يقول إنه يعتقده أو يفضله، ومن المعروف أن جوانب النشاط الوجداني والانفعالي تتسم في جوهرها بصعوبة التعبير عنها لفظيًا، ناهيك عن التناقض الذي قد يحدث بين السلوك كما هو بالفعل، وبين التعبير اللفظي عنه(أبوحطب وصادق 1991: 156).
معظم الاختبارات المُعربة لا يتفق محتواها مع ثقافة المجتمع، ولا تخاطب العقل العربي، وبالتالي لا يهتم بها أو يجيب عنها بشيء من الموضوعية والدقة، بل إنه ربما يستكملها إرضاءً للباحث، وفي معظم الأحوال تتسم إجابته باللامبالاة، ويترتب على ذلك توصل البحث لنتائج مضللة لا تعكس واقع الظاهرة المقيسة.
عدم وضوح التصور النظري الذي يكمن خلف بعض الاختبارات، خاصة تلك التي يستخدمها باحثون مغامرون غير واعين بدرجة كافية بأهمية المنطلقات النظرية في بناء الاختبارات.
بعض الاختبارات المُعدة للتطبيق على فئة معينة يطوعها الباحثون بطريقة "لي الذراع" في التطبيق على عينات أخرى متباينة ثقافيًا واجتماعيًا وعمريًا.
قلة الدعم الإمبيريقي والتقنين العلمي لبعض الاختبارات، وعدم إجراء المزيد من الدراسات الميدانية التي تؤكد تحقق الخصائص السيكومترية لتلك الاختبارات وصلاحيتها للتطبيق.
استخدام معظم الباحثين لمقياس واحد أو وسيلة واحدة في جمع البيانات أو قياس ظاهرة أو سمة ما من الظواهر النفسية، بمعنى استخدام أداة واحدة في البحث الواحد، أو ما نطلق عليه "بحث أحادي الأداة"، وهذا التوجه الأحادي وإن كان قد انتشر في بدايات القرن العشرين في فترة كان التوجه السائد فيها هو دراسة السلوك بشكل عام أو ما يطلق عليه "العامل العام"، ولذلك جاء مقياس بينيه وفق هذه النظرة لقياس الذكاء العام. وهذا التوجه ما لبث أن اندثر خلال العقود الوسطى من القرن العشرين بسبب ظهور فكرة القدرات المتعددة، ولهذا جاءت بطاريات الاستعدادات الخاصة، وبطارية القدرات العامة، ومقياس مينسوتا المتعدد الأوجه في الشخصية، وغيرها. أما الآن ومع زيادة الاهتمام بالعوامل والسمات المتعددة، وتأكيد البحوث النيورولوجية على تكامل عمل المخ، بالإضافة لتعدد العوامل التي تؤثر في السلوك والظاهرة النفسية، فإن توجه استخدام أداة واحدة في البحث ربما لا يصلح التعامل معه أو الاعتماد المطلق على بياناته في التحقق من الفروض وتفسير النتائج.
زيادة الاهتمام بإعداد اختبارات ووسائل لقياس جوانب وقدرات معينة في الشخصية يقابله إهمال واضح لوسائل وأدوات قياس جوانب أخرى، على سبيل المثال: الاهتمام بإعداد مقاييس للذكاء والقدرات اللغوية والحسابية والاستدلالية، وإهمال القدرات الموسيقية وقدرات الذكاء الشخصي والذكاء الميكانيكي، أو إعداد مقاييس للتأخر العقلي وذوي الإعاقات، وتجاهل إعداد مقاييس للتفوق العقلي والمواهب غير الأكاديمية، وغيرها... إلخ.
إحدى الإشكاليات الأخرى التي قابلت الاختبارات في الوطن العربي هي تحيزها، فأغلب الاختبارات المقننة يدعي البعض تحيزها ضد الأقليات، على سبيل المثال: اختبار في اللغة الإنجليزية يتحيز ضد من لا يجيدونها، لكن الحكم على تحيز الاختبار هو حصول الأفراد العاديين على درجة أقل. وقد أوضحت بعض الدراسات التجريبية أن احتمال التحيز في اختبارات الذكاء يكون بدرجة أكبر من التحيز في اختبارات التحصيل الدراسي، لأن من المفروض أن توضح درجة اختبار الذكاء العام قدرة الفرد على تعلم أنواع كثيرة من الأشياء. فإذا تم توفير فرص متساوية لكل التلاميذ لتعلم ما يتطلبه اختبار الذكاء فإن درجاتهم في الذكاء العام تكون صادقة بدرجة مقبولة، أما إذا كانت فرص التلاميذ في التعلم غير متساوية فإن درجاتهم في هذا الاختبار قد لا تخلو من التحيز(عبد الفتاح 1990: 18).
بعض الباحثين العرب حاولوا تجنب بناء اختبارات جديدة، لأن إجراءات تصميمها وإعدادها وحساب الصدق والثبات سوف تستغرق وقتًا، وقد تكون مكلفة وباهظة الثمن. ومع ذلك؛ فإن أداة القياس المناسبة والمكتملة ربما تحتاج من الباحث تطويرها لتناسب مشكلة بحثه ومفحوصيه والظروف البيئية والثقافية المحيطة. ولذلك يجب أن يعرف الباحثون بعض الشيء عن بناء الاختبارات، وأن يكونوا أكثر اهتمامًا وفهمًا بأن الاختبارات تُحسن من مفهومهم لمعنى درجات الاختبار والنتائج القائمة عليها (Mason, E., & Bramble, W. 1997: 297).
والمستقرئ لتلك الإشكاليات يتضح له أنها قد لا تقتصر على العالم العربي فقط، بل إنها ربما تمتد لدول أخرى تتقارب ظروفها وثقافاتها مع المجتمعات العربية؛ لاسيما دول العالم الثالث وأمريكا الجنوبية. كما يتضح أن الأسباب التي تكمن وراء تلك الإشكاليات متعددة ومتنوعة؛ منها ما ارتبط بظروف الدول العربية نفسها، وما حل عليها من تبديد لثرواتها الطبيعية والبشرية جراء الاستعمار الذي قبع بها لعقود طويلة، كما كان للباحثين العرب أنفسهم ومعدي الاختبارات في تلك الفترة دور بالغ الأهمية في تنامي تلك الإشكاليات بسبب شراهتهم في تطويع وتعريب الاختبارات النفسية الأنجلو أمريكية المنشأ للتطبيق في بيئتهم -بالرغم من التباين الواضح بين الثقافتين- وعدم إقبالهم على بناء اختبارات من بيئتهم العربية، بالإضافة لاهتمامهم بجوانب معينة من السلوك والظواهر النفسية التي لاقت قبولاً واسعًا من الباحثين الغربيين –متأثرين بهم- كالذكاء والقدرات العامة والسمات السلبية في الشخصية، في الوقت الذي لم يعيروا فيه اهتمامًا ملحوظًا لقدرات أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها كالقدرة الميكانيكية والقدرات الموسيقية وقدرات التعامل مع الحاسب الآلي وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الشخصي والجوانب الإيجابيبة من الشخصية وغيرها، ليس هذا فحسب؛ فقد تجنب بعض الباحثين العرب بناء اختبارات تتفق وثقافتهم المحلية خوفًا من احتمالية عدم مصداقيتها أوالتشكك في صلاحيتها لما وضعت لقياسه. ولهذا ظلت الاختبارات المُعربة والمترجمة متربعة على عرش الاختبارات النفسية في الوطن العربي حتى وقتنا الراهن، وشاهدنا في ذلك: استمرارية استخدام العديد من اختبارات الذكاء والشخصية المترجمة للغة العربية إلى الآن في معظم المدارس والمعاهد التعليمية ومصحات العلاج النفسي والعيادات النفسية ومدارس التأخر العقلي ومعامل علم النفس في الجامعات، مثل: اختبار ستانفورد بينيه للذكاء، ومقياس وكسلر-بلفيو للذكاء، والمصفوفات المتتابعة لرافن، وبطارية الاستعدادات العامة، واختبار مينسوتا متعدد الأوجه للشخصية، واختبار سترونج للميول المهنية، واختبار هيوم بل للتوافق، واختبار بقع الحبر لرورشاخ، وغيرها.. إلخ.
فهذا الطيف من الاختبارات والذي ما زال يستخدم إلى الآن في معظم بحوث علماء النفس والتربية بالوطن العربي قد أوقع بعض الباحثين حاليًا في ظلمات عدم الفهم العميق للظواهر النفسية المعقدة في هذا العالم سريع التغير، وأسهم في تجريد وتجزئة وتهميش ظواهر نفسية أخرى، وأفرغ تلك الظواهر من المعاني الحقيقية للسلوك البشري، بل وجردته من القيم الإنسانية النبيلة التي يتفرد بها الإنسان دون سائر المخلوقات، بسبب اختزالها لهذا السلوك في عبارات وبنود بسيطة. وأبعد من ذلك؛ فقد أسهم استخدام تلك الأدوات في هذه الآونة في تدني القيمة التربوية للبحوث والدراسات لما انعكس من آثار سلبية على تفسير سلوك الأفراد، فمحتوى تلك الاختبارات أُعد خلال حقبة تاريخية مضت من القرن الماضي، وهو لا تتفق مع النظرة السياقية الزمانية والمكانية للمشكلات والظواهر النفسية الحالية.
والآن ونحن على مشارف انتهاء العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وما شهده هذا العقد من تحول في المعرفة ونمو في الذكاء البشري –كما يشير فلاين 1998 بأن معامل الذكاء يزيد بمعدل 9 نقاط كل جيل(ثلاثون عامًا)- نستخدم اختبارات الذكاء واختبارات القدرات والسمات والخصائص الشخصية التي أعدت خلال النصف الأول من القرن العشرين، وبالتالي أسهمت تلك الأدوات في تصنيف بعض الأفراد على أنهم موهوبون أو أذكياء أو فائقون أو متقدمون في تلك السمة المُقاسة، وفي المقابل تصنيف آخرين بأنهم غير موهوبين أو غير أذكياء أو ضعفاء أو متأخرون، بينما هم ليسوا كذلك.
وفي هذا السياق؛ يشير كوفمان وآخرونKaufman, et AL., 2000 إلى أن أحد الأسباب الرئيسة الكامنة وراء استاتيكية حركة القياس النفسي وعدم تطورها إلى الآن، هو استمرارية استخدام اختبارات الذكاء -التي مزجت بين المنحى العملي والمنحى السيكومتري، مثل: اختبار ستانفورد بينيه، واختبارات الذكاء التي مزجت بين المنحى العيادي والمنحى الإنساني، مثل: اختبار وكسلر بلفيو- في مدارس اليوم والمستشفيات والمراكز العيادية. وعلى أية حال؛ فإن الطبيعة غير المتغيرة لاختبارات معامل الذكاء بدأت في الذوبان مع بداية الربع الأخير من القرن العشرين، بعد الفترة (1905- 1980)، لأنه كان يوجد خلالها بينيه ووكسلر ومن حولهم، وبعد هذه الفترة التي سيطر عليها هذا الفكر، جاءت سلسلة من الاختبارات التي تتضمن مهامًا جديدة. ولهذا لم يكن أمام الباحثين والعياديين بُد من استخدام هذين الاختبارين خلال الثلاثة أرباع الأولى من القرن العشرين، أما الآن فلديهم خيارات عديدة عن ذي قبل، فهناك طيف واسع من الاختبارات ووسائل القياس الأخرى التي تتسم بسهولة التطبيق، بالإضافة إلى أنها تقيس عددًا قليلاً من المكونات والعوامل للظاهرة النفسية المُقاسة(Kaufman, et AL., 2000: 470).
ولهذا جاءت الدعوة لضرورة إعداد اختبارات ومقاييس تتفق والرؤى النظرية والتصورات الحديثة في تفسير السلوك الإنساني وجوانبه المتعددة، مع مراعاة الخصوصية الثقافية للمجتمعات والأفراد والسياق الموقفي للظاهرة محل الدراسة في محتوى تلك الاختبارات، ليس هذا فحسب؛ بل والدعوة لأهمية إحلال تلك الاختبارات الحديثة محل الاختبارات التقليدية العربية والأنجلو أمريكية المُعربة والعتيقة التي لم تعد محتوياتها تلاحق التطورات السريعة في المتغيرات المعرفية والتعددية الثقافية والصراعات الحضارية.
وخلاصة القول؛ فإن تبني التصورات والرؤى الحديثة لتوظيف وسائل جمع البيانات والاختبارات والمقاييس واستخدامها في تفسير الظواهر النفسية والسلوك البشري ربما يكون بمثابة الدليل الذي يأخذ بيد الباحثين نحو فهم أفضل وتفسير أقرب لأسباب المشكلات النفسية ومظاهر السلوك الإنساني ليتحقق في النهاية غاية علم النفس الإيجابي، وهي السعادة النفسية والرضا وحب الحياة.
خاتمة.. نحو إعادة النظر:
لعل ما يشهده العالم من طفرات تكنولوجية ومعلوماتية، وما تحياه المجتمعات من تطورات سياسية وثقافية وعلمية واجتماعية، لمن المقومات التي أسهمت في بلورة مفهوم التنمية البشرية كمعيار جوهري في تقييم الجهود الإنمائية المبذولة، باعتبار العنصر البشري محوراً للتنمية، وأن تقدم المجتمعات يقاس بما تبذله من جهود تنموية في شتى المجالات.
فالاهتمام بتنمية الموارد البشرية أصبح ضرورة حتمية يفرضها هذا التحدي العلمي والتكنولوجي، بل إن التنمية في المجتمع تبدأ من الفرد وتنتهي بنتائجها لخدمته. ومن هنا؛ فإن المعيار الجوهري في تقييم الجهود الإنمائية واضطراد وتائرها في أي مجتمع من المجتمعات هو مفهوم التنمية البشرية؛ وذلك من خلال ما تحتويه مضامينه وعملياته من مفاهيم ترتبط بالنمو الاقتصادي وتكوين رأس المال البشري والتنمية التعليمية والعلمية والصحية والتكنولوجية والسياسية والثقافية.
ولذا؛ فإن المجتمعات المتقدمة بل والنامية قد أخذت على عاتقها الاهتمام بتنمية الفرد في كافة النواحي بوسائلها المتنوعة ومؤسساتها المختلفة، كما تسعى لانتقاء أفضل العناصر البشرية لقيادة مؤسساتها من خلال حُسن اختيار الأفراد لشغل الوظائف بما يسهم في نجاح عمليات ومساعي التنمية.
ومع تزايد الحاجة لمعرفة القدرات والمهارات والسمات الشخصية أكثر من ذي قبل، بسبب تزايد الطلب على الأفراد ذوي القدرات الخاصة للقيام بمهام معينة؛ فإن الحاجة باتت ملحة لاستخدام اختبارات جيدة لقياس تلك القدرات والسمات والميول المهنية لدى الأفراد.
والمحلل لهذا الطيف الواسع من الاختبارات المتضمنة بالتراث السيكولوجي، يتضح له أن الاستخدام الفعال لتلك الاختبارات يعتمد بشكل واقعي على قدرة الباحث على اختيار أفضل الأطر النظرية، وعلى ترجمة هذه النظرية إلى ممارسة عملية، ويعتمد كذلك على كثرة المتغيرات المضافة المرتبطة بالظاهرة موضوع القياس، وهذا يعد أساسًا واضحًا لمستخدمي الاختبار لفهم الأساس النظري للبناءات النفسية المقاسة بتلك الاختبارات ( Kaufman, AL., 2000: 470).
وعلى الرغم من كثرة المشكلات والصعوبات التي تكتنف وتواجه استخدام الاختبارات النفسية، والنقد الموجه إليها من قبل أصحاب النظريات التي تؤمن بتفرد الإنسان وذاتيته، أو علم نفس الذاتية Idiographic Psychology (*)، أو ما يمكن أن نسميهم بالجيمسيين(**)، فإننا لا نستطيع عمل تصنيفات أو اتخاذ قرارات إلا بناءً على نتائجها، على سبيل المثال: امتحان الثانوية العامة واختبارات القبول بالقوات المسلحة والشرطة. وواقع الأمر؛ فإن استخدام الاختبارات يعد طريقة موضوعية إلى حد كبير للحكم على خصائص الأفراد، وهذا يعتبر وقاية من الأحكام الذاتية التي قد يقوم بها المعلمون في المدارس، أو العياديون في المشافي والعيادات الكلينكية، أو الأخصائيون النفسيون في المصحات العقلية والنفسية، أو القائمون على الانتقاء والتوجيه، .. وغيرهم، بناءً على انطباعاتهم الذاتية وآرائهم الشخصية.
وهذه القيمة العلمية التي ترتبط باستخدام الاختبارات النفسية في الحياة العملية، وكفاءتها في التنبؤ بسلوك الأفراد المستقبلي، جعلت من تطويرها واستحداث الجديد منها مطلبًا أساسيًا لمقابلة التغيرات المستمرة في الظواهر النفسية وأسبابها والعوامل المصاحبة لها.
ولهذا فإن على الباحثين أن يحسنوا من آليات تعاملهم مع البيانات المرتبطة بمشكلاتهم البحثية عند تناولهم للظواهر النفسية، وذلك من خلال:
تبني التوجهات التي تنادي بضرورة النظرة التكاملية في القياسات النفسية والتربوية باستخدام أكثر من وسيلة أوأداة لقياس نفس السمة أو الظاهرة موضع القياس، والانتفاع بالتصميمات الحديثة التي أسفرت عنها تقدم أساليب البحث في علم النفس، ومنها التصميم المتعدد السمة-المتعدد الأسلوب، والذي أوضح العديد من باحثي علم النفس أن استخدام أكثر من طريقة في قياس نفس السمة يعطي ثقة أكبر في النتائج، ويؤكد ذلك ما أشار إليه أبوحطب وصادق 1996 من أن الاعتماد على طريقة واحدة فقط لا يعد كافيًا في قياس السمة موضع القياس، فكل طريقة تتأثر بعوامل مختلفة(في: غازي 2008: 130).
البعد عن استخدام الاختبارات التقليدية العتيقة التي تعاني الضعف في محتواها وبنيتها وتفتقر إلى البنود والعبارات وثيقة الصلة بالمشكلات النفسية المعاصرة، ولا تواكب الاتجاهات الحديثة في القياس النفسي والتربوي.
اشتقاق محتوى أدوات القياس كالاختبارات والاستبيانات من واقع المشكلات والظواهر النفسية المقيسة، وبما يتفق مع البناء الثقافي والقيمي بالمجتمع العربي، أو الخصوصية الثقافية التي تتميز بها عينة البحث أو مجتمع الدراسة، وإن كان لابد من الاستعانة بالاختبارات وأدوات القياس غير العربية، أو المُعدة في ثقافة مغايرة، فإنه يجب الحيطة من محتواها والخلفية الثقافية التي تكمن خلفها، ولهذا يجب تعديل بنودها وفقراتها بما يتفق وثقافة المجتمع.
الاستعانة بتقنيات القياس الحديثة التي صاحبت الاكتشافات التكنولوجية، كأجهزة التصوير المقطعي والتصوير بالرنين المغناطيسي والمسح الذري، والتي مكنت العلماء من ملاحظة عمل المخ ووصف طبيعة العمليات الدماغية وتحليل وظائف القشرة الدماغية والخلايا العصبية، بما يسهم في تفسير السلوك البشري والظاهرة المُقاسة والأسباب الكامنة وراءها.
وخلاصة القول؛ فإن الانتفاع بالتقدم التقني لأجهزة قياس نشاط المخ ووظائفه، وفك شفرة الجينوم البشري والخلايا الجذعية سوف يؤدي لتحسين صورة القياس النفسي في الوطن العربي، على الأقل بين باحثي علم النفس أنفسهم.
والآن؛ تُرى هل يأتي اليوم الذي يلج فيه الفرد باب الحياة العملية وفق قدراته وميوله، فيتحقق الحلم القديم، حلم الفرد السعيد في المجتمع السعيد؟ هل تلعب الاختبارات ووسائل القياس الأخرى هذا الدور؟!
المراجــع
جيمس ديز 1995: أزمة علم النفس المعاصر، ترجمة : سيد عثمان، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
جيمس تريفل 2006: هل نحن بلا نظير، عالم يكتشف الذكاء الفريد للعقل البشري، "ترجمة: ليلى الموسوي، سلسلة عالم المعرفة، العدد (323)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.
دانييل كيفلس وليروي هود 1997: الشفرة الوراثية للإنسان، القضايا العلمية والاجتماعية لمشروع الجينوم البشري، "ترجمة: أحمد مستجير"، سلسلة عالم المعرفة، العدد (217)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.
سليمان الخضري 1996: الفروق الفردية في الذكاء، ط 4، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة.
عادل الأشول 1988: سيكولوجية الشخصية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
عبد الرحمن عيسوي 1980: علم النفس والإنسان، دار المعارف، الإسكندرية.
عزيز حنا وأنور حسين ومصطفى كامل 1991: مناهج البحث في العلوم السلوكية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
فاروق عبد الفتاح 1990: القياس النفسي والتربوي للأسوياء والمعوقين، "1"، مكتبة النهضة العربية، القاهرة.
فان دالين 2003: مناهج البحث في التربية وعلم النفس، ترجمة: محمد نوفل وسليمان الخضري وطلعت منصور، مراجعة: سيد عثمان، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
فؤاد أبوحطب 1996: القدرات العقلية، ط 5، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
فؤاد أبوحطب وأمال صادق 1991: مناهج البحث وطرق التحليل الإحصائي في العلوم النفنسية والتربوية والاجتماعية، "ط1"، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
فؤاد أبوحطب وسيد عثمان 1986: التقويم النفسي، ط 4، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
محمد غازي 2008: الذكاء الاجتماعي لمشرفي الأنشطة التربوية- قدرة فارقة في النجاح المهني، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية.
Friedenberg, L., (1995): Psychological Testing, "Design, Analysis, and Use, Allyn and Bacon, Boston.
Kaufman, AL., (2000): Testes of Intelligence, in: Sternberg, R (Ed): handbook of intelligence, Cambridge Univ. press, New York, (pp. 445 - 476).
Beck, R., (1992): Applying Psychology, critical & creative thinking, (3 ED.), Prentice Hall, Englewood Cliffs, New Jersey.
Mason, E., & Bramble, W. (1997): Research In Education and The Behavioral Sciences-Concepts and Methods, Brown & Benchmark Publisher, Mexico City.
Fraenkel, J. & Wallen, N. 2003: How to Design and Evaluate Research in Education, fifth edition, McGraw Hill, New York.