أ.م.د/ عصام توفيق قمر

رؤية مستقبلية لإستخدام تكنولوجيا المعلومات

فى مجال تعليم الموهوبين

المركز القومى للبحوث التربوية والتنمية (بمصر)

ملخص

تحاول هذه الورقة تقديم رؤية مستقبلية للاستفادة من تكنولوجيا المعلومات وتوظيفها فى مجال تعليم الموهوبين، وقد استلزم ذلك التعرض لمفهوم الموهوب وخصائص الموهوبين، والتعرف على الممارسات التعليمية اللازمة لمواجهة تلك الخصائص، وأخيرا تقدم الورقة رؤية لما يمكن أن تقدمه تكنولوجيا المعلومات فى مجال تعليم الموهوبين.

مقدمة:

إن التعليم هو أساس تقدم المجتمعات، وأى مجتمع متقدم لابد وأن يعتمد على بيئة أساسية تكنولوجية على درجة عالية من التعقيد والتقدم ممثلة فى العديد من الأجهزة ذات التكنولوجية المتقدمة، والتى تحتاج بطبيعة الحال إلى أشخاص على درجة من الكفاءة، قادرين على المحافظة على ذلك المجتمع وإدارة شئونه وتطويره إلى الأفضل، ولن يأتى ذلك إلا بنظام تعليمى متميز لرعاية الموهوبين من أبنائه.

ذلك أنه من غير المعقول أن يتم تعليم الموهوبين من خلال مناهج دراسية تقليدية ونظم تقويم نمطية تقوم على أساس الحفظ والتلقين من خلال مناخ مدرسى غير واضح بدءاً من معلم غير كفء وغير قادر على التركيز فى عمله لكى يفهم طبيعة وتركيب عدد كبير من التلاميذ

منهم موهوبين بالطبع يتعامل معهم فى نفس الوقت. وهو كذلك غير معد تربوياً فى كليته أو معهده على أن يتعامل مع هذه الفئة بما يتناسب مع روح العصر.

إذ يتميز العصر الحالى بمميزات تكنولوجية تجعله يختلف كثيرا عن العصور الأخرى لأنه عصر العولمة

"globalization" والقرية الصغيرة "Small Village" وعصر المعلومات فائقة السرعة "Speed Highway Information" وعصر الوسائط المعلوماتية "Infomedia" وتشمل الأخيرة الطفرة التكنولوجية التى جعلت من أهم سمات العصر التعامل مع الآلة أو بمعنى أفضل التعامل مع المستحدثات التكنولوجية.

والموهوب فى عصر "تكنولوجيا المعلومات" هو ذلك الشخص الذى يستطيع أن تتفوق قدراته على قدرات الآلة، بحيث يغوص فى أعماقها ويستخرج لآلئها التى كانت مكنونة بعيدة عن العيون فيجعلها تطفو على سطح المعرفة الإنسانية فتنير له جنبات الوادى المعلوماتى وتروى ظمأه بكل جديد من العلم.

من هو الموهوب؟

فالموهوب

Talented هو الذى تفوق فى قدرة أو أكثر من القدرات الخاصة، وهو صاحب القدرات ذات الأصل التكوينى والتى لا ترتبط بالذكاء إذ أننا قد نجدها عند ذوى الحاجات الخاصة، على أننا نلاحظ أن العامل الأساسى المشترك لدى الموهوبين هو درجة الذكاء المتميزة.

خصائص الموهوبين:

الخصائص الاجتماعية الاقتصادية لأسر الموهوبين:

يعتبر الإطار الاجتماعى الاقتصادى الذى ينمو فيه الموهوب اللبنة الأولى فى بناء الصرح الفكرى والبناء الشخصى والتكوين الانفعالى للموهوب، وعلى سبيل المثال بينت الدراسات أن الموهوبين فى أمريكا ينحدرون من أصول أوروبية ومن مستويات اجتماعية متميزة عن السلالات الأخرى والطبقات الاجتماعية الأدنى، وقد يعتقد السواد الأعظم من العلماء أن توافر الإمكانات المادية فى هذه الحالة تساهم إلى حد كبير فى اكتشاف ورعاية الموهوب.

الخصائص العقلية:

لاحظ العلماء أن الموهوبين يتميزون بالقدرة على الاستدلال والتعميم وتفهم المعانى والتفكير المجرد المنطقى وسرعة التعلم، وتعدد الميول والتفوق والإبتكار، وهو يعملون الفكر فى القضايا الميتافيزيقية (الغيبية) مثل قضية الخلق والقضاء والقدر والموت والمستقبل.

(ج) الخصائص الإنفعالية والاجتماعية:

الموهوب يتميز وفق المنحى النفسى المعاصر بسمات منها التعاون والطاعة وتقبل الاقتراح ونقد الذات والمرونة والقيادة واللعب معتمدا على التفكير والتعامل مع من هم كبر سناً، واتساع شبكة العلاقات الاجتماعية، وأثبت ذلك "تيرمان" فى أكثر من دراسة.

وبين "شهرمان وهولنفروث" أن الإناث الموهوبات أكثر من العاديات فى الذكاء وفى تفضيل ألعاب الذكور، بينما الذكور الأذكياء لا يميلون إلى اللعب وقتاً طويلاً مثل الذكور العاديين.

كما بينت دراسة "وتنى" أن الموهوبين أحب للقراءة خاصة فى مجال الأدب والشعر والعلوم والتاريخ والتراجم والأسفار، وهم لا يميلون إلى السينما والتليفزيون.

الممارسات التعليمية لمواجهة خصائص الموهوبين:

يمتلك الطفل الموهوب قدرات عقلية تمكنه من التحصيل الجيد وبصفة خاصة فى الموضوعات الدراسية للمرحلة الابتدائية، يترتب على ذلك أن يصبح من الضرورى إدخال بعض التعديلات التعليمية وإجراء بعض المتغيرات فى المواد الدراسية إذا أردنا لبرنامج تعليم الطفل الموهوب أن يكون برنامجاً ملائما، سواء كان ذلك فى إطار فصل خاص، أو خطة لإسراع التعليم، أو فى إطار الفصل العادى.

ويقدم كيرك

"Kirk" فى هذا المجال مجموعة من المقترحات للممارسات التعليمية بناء على الفروق الكمية والنوعية بين الطفل الموهوب والطفل العادى. ويمكن تلخيص هذه المقترحات فيما يلى:

الخاصية: الطفل الموهوب يتعلم بمعدل أسرع من معدل الطفل العادى:

التعديل التعليمى: نظرا لسرعة الطفل الموهوب فى التعلم فإنه لا يتطلب قدرا من تكرار المادة المتعلمة. على سبيل المثال، إذا تمكن الطفل الموهوب من الانتهاء من كتاب القراءة خلال أيام قليلة، فإنه لا يحتاج لأن يقرأ الكتاب مرة أخرى مع تلاميذ الفصل، فى هذه الحالة يجب أن يسمح لهذا الطفل بالتقدم فى قراءة كتب أخرى إضافية.

الخاصية: قدرة الطفل الموهوب على الاستدلال أعلى منها عند الطفل العادى:

التعديل التعليمى: الحقيقة القائلة بأن الطفل الموهوب يدرك علاقات ويكتسب أفكارا مما يتعلم، قد تخلق موقفا خاصا بالنسبة للمعلم، يحتاج الطفل الموهوب عادة إلى تفسيرات وأسباب للأشياء، وقد يطلب تفاصيل أكثر مما يكون المعلم مستعدا لتقديمه إلى بقية الأطفال فى الفصل. يرغب الطفل الموهوب فى أن يكون قادرا على تعديل المشكلات وفهمها، وعلى المعلم أن يكون مستعدا لمساعدته على تحقيق ذلك.

وفى بعض الأحيان يكون الموقف العكسى صحيحا أيضا إذ يحتاج الطفل الموهوب إلى مساعدة المعلم فى تحليل الخطوات التى توصل من خلالها إلى نتيجة معينة. إن قدرة الطفل الموهوب على الاستدلال قد تكون سريعة فى بعض الأحيان إلى الحد الذى يجعله يتوصل إلى الإجابة دون أن يمر بالخطوات العادية التى يحتاج إليها الطفل العادى.

الخاصية: يمتلك الطفل الموهوب عادة ثروة لفظية أوسع من الطفل العادى:

التعديل التعليمى: على الرغم من أن الثروة اللفظية التى يستخدمها الطفل الموهوب تكون عادة أعلى من مستوى استيعاب بقية أطفال الفصل، إلا أنه يجب أن تتاح لهذا الطفل فرصة للتعبير عن نفسه وبصفة خاصة فى موضوعات التعبير، وفى كتابه التقارير العلمية، وفى الشرح والمناقشة داخل الفصل.

الخاصية: الطفل الموهوب لديه مدى واسع من المعلومات:

التعديل التعليمى: نظراً للذاكرة القوية والقدرة على ربط المعلومات المتفرقة والاحتفاظ بها، يكون متوقعاً من الطفل الموهوب أن يعرف معلومات أكثر مما يعرفه الطفل العادى. ونظراً لأن هذا الطفل يكون قد قرأ وتذكر قدراً كبيراً من المعلومات إذ أنه لا يقتصر على الكتاب المدرسى بل ربما يكون قد غطى الموضوع بطريقة أكثر شمولا، فإن ذلك قد يسبب بعض الضيق للمعلم الذى يرغب فى أن يتعلم تلاميذ الفصل موضوعاً معيناً من كتاب معين.

الخاصية: يتميز الطفل الموهوب بدرجة غير محدودة من حب الاستطلاع:

التعديل التعليمى: نظراً لأن الطفل الموهوب يكون مولعاً بالأنشطة الخيالية والتصورية، كما يكون مهتما بالمعرفة العلمية، فإنه يميل إلى معرفة الأسباب وراء الأشياء والظواهر. لذلك فإن الأسلوب التعليمى لهذا الطفل يجب أن يعمل على استخدام حب الاستطلاع لديه كعامل يدفعه إلى درجة أوسع وأشمل.

الخاصية: يتمتع الطفل الموهوب بمدى أوسع من الميول والاهتمامات:

التعديل التعليمى: نظراً لأنه غالباً ما يكون لدى الطفل الموهوب دافع قوى

خاصة للأعمال الذهنية قد يكون من الصعب فى بعض الأحيان جعله يترك العمل الذى بدأه جانباً كى يتابع العمل الروتينى فى الفصل. الطريقة التى يمكن بها معالجة مثل هذا الموقف تعتمد على مدى صرامة النظم المتبعة داخل الفصل. فى بعض الأحيان قد تكون الفترة المخصصة للدرس ليست ضرورية، أو غير قابلة للتطبيق مع الطفل المتفوق دراسياً. مهمة المعلم هى أن يربط الميول بالمجال النمائى. فالطفل المعين الذى يكون قد سيطر على أسلوب معين يمكن أن يستثنى من واجب روتينى مما يسمح له بالقيام بعمل آخر.

 

الخاصية: عادة ما يكون الطفل الموهوب متوافقاً اجتماعياً ويتمتع بشعبية لدى الأطفال الآخرين:

التعديل التعليمى: على الرغم من أن الطفل الموهوب عادة ما يكون متوافقاً (بعكس ما كان يعتقده كثيرون فى السابق)، فإن حالة التوافق عند هذا الطفل قد تسوء لو أن قدرته الإبتكارية، واختلاف سلوكه، ونقص ميله إلى المسايرة وجهت بالإخماد وتثبيط العزيمة قد يلجأ الطفل فى هذه الحالة إلى تكوين مفهوم ذاته بأنه شخص مختلف عن الآخرين ومن ثم يحاول أن يعتزل عن الجماعة.

والسؤال الآن:

ماذا يمكن أن تقدم تكنولوجيا المعلومات فى مجال تعليم الموهوبين؟

الرؤية المستقبلية":

يمكن تعريف تكنولوجيا المعلومات بأنها النظم والتقنيات المستخدمة فى جمع وتوصيل ومعالجة المعلومات والبيانات والترف فيها. ويعرفها "بترمول

Peter Moll" بأنها الوسائل المختلفة للحصول على المعلومات واختزالها ونقلها باستخدام الحاسبات الآلية والاتصال عن بعد.

وتكنولوجيا المعلومات يمكن أن تلعب دوراً فعالاً فى تفريد خبرات التعلم لدى الموهوبين، حيث تسهم فى تحقيق الأهداف الخاصة لتعزيز التعليم، وذلك من خلال الفيديو والكمبيوتر والوسائط المتعددة التى تمد التلميذ الموهوب بأساليب تعليمية متنوعة تتميز بالمرونة عن الأساليب التقليدية المعروفة، فعلى سبيل المثال يمكن للتلاميذ الموهوبين التعلم بفاعلية أكثر عند استخدام الرسومات أو الصور والمواد المصورة والمسموعة عنه عند الاعتماد على المقررات المطبوعة بالكتب فقط.

كما تسهم التكنولوجيا فى تحقيق أهداف التعليم بالمشاركة، وذلك من خلال استخدام شبكات الحاسبات التى تسمح وتشجع الموهوبين على العمل فى فريق يجمع ويقارن المعلومات العلمية، ويحل المشاكل التى قد تواجههم للتعاون مع زملائهم على الشبكة.

وكذلك فإن استخدام الشبكات الالكترونية تسهم فى تنمية قدرة الموهوب على التفكير الناقد، وذلك من خلال صياغة تساؤلات وإعداد أدوات جمع البيانات وطرحها بشكل واسع الانتشار على شبكة المعلومات.

إن السمة المميزة للمجتمعات بالدول النامية هى الاستهلاك وليس الإنتاج فى مختلف المجالات التى تشمل المعرفة والمعلومات، ولكن الأمر قد يختلف مع الموهوبين... فهى عند استخدامهم لشبكات المعلومات والتكنولوجيا التعليمية يمكن أن يكونوا منتجين للمعلومات، حيث أن إدراكهم أن هناك من يقوم بقراءة هذه المعلومات والتعرف على مجهوداتهم يعطيهم دافع قوى لأن يتحولوا من مستهلكين للمعرفة إلى منتجين لها.

ويسمح استخدام تكنولوجيا المعلومات أيضاً بتوسيع نطاق إطلاع الموهوبين وتسهيل وصولهم إلى المعلومات واسترجاعها وحفظها، وبهذا يمكن أن يكتسبوا مهارات استرجاع المعلومات والتعلم الذاتى، والتخلى عن ثقافة الحفظ والاستظهار.

إن استخدام التكنولوجيا التعليمية يتيح للتلاميذ الموهوبين الاتصال والتعرف على الثقافات المختلفة بشكل مباشر وواقعى من خلال الاتصال بأبناء هذه الثقافات وإجراء حوار ونقاش معهم.

وقد يتبادر إلى الأذهان سؤال مهم وهو: هل تسهم التكنولوجيا التعليمية فى رفع درجات التلاميذ الموهوبين فى الاختبارات؟

والإجابة عن هذا السؤال هى، أنه من الصعب تقويم تأثير التكنولوجيا بمنعزل عن باقى المتغيرات فى الموقف التعليمى لكى يستطيع المعلم استخدام تكنولوجيا المعلومات فى دعم جميع المواقف التعليمية، ومع ذلك فإن الأبحاث التى أجريت قد أوضحت وجود تحسن فى أفكار التلاميذ عموما الذين يتعاملون مع التكنولوجيا التعليمية.

واستخدام تكنولوجيا المعلومات فى تعليم الموهوبين لا يقتصر دوره على إمدادهم بمصادر متنوعة للمعلومات وتسهيل حصولهم عليها فى الوقت والمكان الذى يناسبهم، ولكنها تسهم فى تقويم قدراتهم، وبالتالى حصولهم على المعلومات التى تتناسب مع قدراتهم العالية، حيث تستخدم التكنولوجيا كأداة للتقويم بالإضافة إلى استخدامها كأداة من أأدوات التعليم، وعندما يجتاز التلميذ الموهوب مستوى محدد يمكنه الانتقال إلى مستوى آخر بطريقة ذاتية، وفى وقت أقل عن الوقت الذى يستهلكه التلميذ العادى، مما يتيح للموهوبين تعليم أقل فى وقت أقل.